الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

السبت, 13 يونيو 2026 | 27 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

قدرة الدولة لا تقل أهمية عن قدرة السوق

"الاقتصادية"
"الاقتصادية"
الاثنين 6 يونيو 2022 0:33
عفا الزمن على عقلية الحرب الباردة.عفا الزمن على عقلية الحرب الباردة.
كارل بولاني المؤرخ الاقتصادي الأمريكي المجري وكتابه "التحول الأعظم".كارل بولاني المؤرخ الاقتصادي الأمريكي المجري وكتابه "التحول الأعظم".
الأمير فيصل بن بندر أثناء تسليم كأس ولي العهد "مصنف دوليا".الأمير فيصل بن بندر أثناء تسليم كأس ولي العهد "مصنف دوليا".
قدرة الدولة لا تقل أهمية عن قدرة السوق
قدرة الدولة لا تقل أهمية عن قدرة السوق
قدرة الدولة لا تقل أهمية عن قدرة السوق

في كتابه الكلاسيكي المنشور 1944 بعنوان "الطريق إلى العبودية"، حذر فريدريش أوجست فون هايك الاقتصادي والفيلسوف النمساوي من أن التخطيط المركزي والملكية العامة من المحتم أن يقودا المجتمعات إلى المعاناة والقمع، بل حتى الطغيان، في حين ستعمل الأسواق الحرة بطبيعة الحال على تعظيم الرفاهية العامة. في العام ذاته، قدم كارل بولاني المؤرخ الاقتصادي الأمريكي المجري في كتابه "التحول الأعظم"، صورة مختلفة تمام الاختلاف، زاعما أن قوى السوق والمجتمع مشتبكة في صراع من نوع ما، حيث يستغل الرأسماليون المجتمع من خلال الأسواق الحرة، ويقاوم المجتمع من خلال التنظيم والسياسة.

بعد ما يقرب من 80 عاما على صدور هذين الكتابين، لا تزال المناظرات حول وجهات نظر بولاني وهايك المتعارضة يتردد صداها في أروقة السلطة في بكين وواشنطن. بينما تبنى الغرب في الأساس نظام هايك الليبرالي القائم على الأسواق الحرة والديمقراطية، اتبعت الصين في عموم الأمر "التحول الأعظم" الذي تناوله بولاني، لتصبح الدولة صاحبة أكبر اقتصاد في العالم "على أساس تعادل القوة الشرائية"، وتكاد تقضي على الفقر المدقع. وفقا لما يرصده تقرير الباحثان أندرو شنج واكسياو جنج. الأول زميل متميز في معهد آسيا العالمي في جامعة هونج كونج وعضو المجلس الاستشاري لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة بشأن التمويل المستدام، والثاني رئيس معهد هونج كونج للتمويل الدولي أستاذ ومدير معهد السياسة والممارسة في معهد Shenzhen المالي في الجامعة الصينية في هونج كونج.

بطبيعة الحال، ما كان تحول الصين الأعظم ليصبح في حكم الممكن في غياب الانفتاح الاقتصادي والإصلاحات الموجهة نحو السوق. لعقود من الزمن، لعبت الولايات المتحدة دورا بالغ الأهمية في تمكين وإدامة هذه العملية، خاصة من خلال تهيئة الظروف التي سمحت بازدهار العولمة، كما عملت التكنولوجيا، والقوة العسكرية العاتية، والدبلوماسية الأمريكية على تعزيز الأمن العالمي - لا ينكر إلا قلة من الناس عائد السلام المتمثل في إمكانية الحد من الفقر - في حين ساعد الدولار الأمريكي المستقر على تسهيل التبادل الدولي.

انخرطت الولايات المتحدة مع الصين بشكل مباشر، وقد جلب هذا فوائد بعيدة المدى، من المساعدة على إنهاء الحرب الباردة، إلى المساهمة في التقدم في مكافحة تغير المناخ. في الوقت ذاته، ساعدت الديناميكية الاقتصادية في الصين، إلى جانب انخراطها العميق في الاقتصاد العالمي، على حفز النمو العالمي والحد من تداعيات صدمات مثل الأزمة المالية التي اندلعت 2008.

لم تكن الصين وحدها التي شهدت تبلور القضايا التي طرحها بولاني. الواقع أن اقتصادات ناشئة كبرى مثل الهند وإندونيسيا والبرازيل تناضل في محاولة التغلب على العواقب التي خلفتها إخفاقات السوق، مثل التفاوت في الدخل والثروة، والتلوث، وخسارة التنوع البيولوجي، والانحباس الحراري الكوكبي. وفي حين توجد السيطرة الحكومية المفرطة مشكلات خاصة بها - وهي النقطة التي اتفق عليها هايك وبولاني - فإن أقل القليل من الناس قد يجادل في قدرة الدولة على الحد من انتهاكات السوق، والتصدي للعوامل الخارجية السلبية، وتلبية توقعات الناس بشأن الأمن والرخاء.

الواقع أن فشل الدولة في معالجة إخفاقات السوق وتحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي - كما حذر بولاني - يفضي عادة إلى ردة فعل سياسية سلبية عنيفة، وقد يؤدي هذا إلى ضمور الدولة أو حتى انهيارها، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي. وعلى هذا، يبدو من الواضح أن قدرة الدولة لا تقل أهمية عن قدرة السوق.

السؤال الأكثر إثارة للجدال هو كيف يمكن ضبط سلوكيات السوق ومنع انتهاكات الدولة؟ تعمل الأنظمة المختلفة على إيجاد التوازن الذي يناسبها، فيركز نظام الحكم في الصين على تسليم نتائج جوهرية ملموسة لأغلبية السكان من خلال آلية مساءلة ذات توجه إداري. من منظور غربي، يختلف هذا جوهريا عن الديمقراطية الانتخابية، التي تؤكد القواعد القانونية والإجرائية والحقوق الفردية، وهي بالتالي غير مقبولة.

تقطع هذه الاختلافات شوطا طويلا نحو تفسير السبب وراء إثارة التحول الأعظم في الصين لمثل هذا القدر من الاستجابة السلبية من جانب القوى الغربية، التي تجنبت في الأعوام الأخيرة المشاركة والتعاون الوثيق، لمصلحة المنافسة والمواجهة والاحتواء. مكمن الخطر هنا يتمثل في تسبب استخدام وسائل الإعلام والتكنولوجيا والتمويل والتجارة وغير ذلك من مجالات التعاون السابقة كسلاح، في إشعال شرارة تصعيد حتمي للتوترات، ما يؤدي في النهاية إلى الحرب.

على نحو مماثل، كلما زاد القدر الذي توجهه الهند وغيرها من القوة الصاعدة من الاهتمام والموارد والقدرات نحو الأمن الوطني والدفاع، قل ما يمكنها تكريسه للتنمية الاقتصادية المحلية والاندماج في الاقتصاد العالمي. هذا من شأنه أن يضعف العلاقات القائمة على السوق، التي قدمت كثيرا لدعم السلام على مدار العقود العديدة الأخيرة. ولأن الصين والهند وإندونيسيا ربما تصبح من بين أكبر خمسة اقتصادات في العالم بحلول 2050، في حين تشكل حاليا 40 في المائة من سكان العالم ونحو 175 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الأمريكي "مع تعادل القوة الشرائية"، فمن الأهمية بمكان أن يجري التفاوض على نظام جديد متعدد الأطراف لمنع اندلاع صراعات كبرى.

لقد عفا الزمن على عقلية الحرب الباردة، ويفشل الرأي القائل بضرورة احتواء القوى الصاعدة في التعبير عن الدروس المستفادة من حربين عالميتين دارت رحاهما لكبح تقدم قوتين وطنيتين صاعدتين "ألمانيا واليابان"، لكن منافسة اليوم تدور بين قوتين صاعدتين كل منهما بحجم قارة، وتمتلكان التكنولوجيات النووية وتكنولوجيات أخرى قادرة على إحداث قدر متزايد من الدمار. أدرك بولاني أن التحول الجهازي ينطوي على توازن بين طلب غير محدود وموارد محدودة، والحل إما الحرب التي من شأنها أن تعجل بدمار كوكب الأرض وزوال الجنس البشري، أو السلام وبقاء الإنسان من خلال تكامل كل الدول في نظام عالمي متوازن.

إن تجنب حالة مفرطة من انعدام الاستقرار داخل الدول - والتشرذم بينها - أمر بالغ الأهمية لإيجاد مثل هذا التوازن المستقر بين القوى. لهذا السبب، تعد الدعوات الغربية المطالبة بتقرير المصير في أماكن مثل شينجيانج وهونج كونج وتايوان منافية للعقل والحكمة، وليست الصين وحدها التي تواجه مثل هذه الضغوط. في الشهر الماضي استشاطت حكومة الهند غضبا عندما اعترفت الجمعية العامة في ولاية كونيتيكت الأمريكية رسميا بذكرى إعلان استقلال السيخ، وبالتالي فقد أظهرت الدعم فعليا لولاية مستقلة داخل الهند.

من غير الواقعي مطالبة جميع الدول بالاتفاق على الأولويات والأنظمة والقيم التي تتماشى جميعها مع مشورة هايك، أو بولاني، أو أي مفكر آخر. لكن هذا لا يعني أننا محكوم علينا بأن نعيش حالة من الصراع المستمر المتصاعد. الحق أننا قادرون على - بل يتعين علينا - أن نعمل على إيجاد أرضية مشتركة، وأن نسعى إلى المشاركة البناءة وتقديم التنازلات في خدمة "تحول أعظم" عالمي نحو السلام والرخاء والصحة الكوكبية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية