الاقتصادية - الموقع الرسمي لأخبار الاقتصاد والأسواق | الاقتصادية

الخميس, 11 يونيو 2026 | 25 ذُو الْحِجَّة 1447
Logo

كومنولث أوروبي بديل عن الكومنولث البريطاني

محمود عبدالعزيز
محمود عبدالعزيز
الاثنين 6 يونيو 2022 0:32
لندن ضحت بعلاقتها مع موسكو، وهذا العمل يجب أن ينعكس بمقابل مجد.لندن ضحت بعلاقتها مع موسكو، وهذا العمل يجب أن ينعكس بمقابل مجد.
كومنولث أوروبي بديل عن الكومنولث البريطاني

أظهر استطلاع رأي جديد أن الأستراليين على استعداد للتصويت لمصلحة جمهورية بأغلبية 54 في المائة، لكنهم مترددون في كيفية اختيار رئيس دولة جديد، ليحل محل ملكة بريطانيا إليزابيث الثانية، التي احتفلت أخيرا باليوبيل البلاتيني، وكانت باربادوس آخر دولة انفصلت عن التاج البريطاني وتحولت إلى النظام الجمهوري أواخر العام الماضي، وذلك في حفل رسمي حضره الأمير تشارلز ولي عهد بريطانيا ابن الملكة، فيما احتفل الأستراليون، أخيرا بـ"يوم أستراليا" بمناسبة وصول الأسطول الأول إلى سيدني، وما تلاه من رفع لعلم الاتحاد من قبل آرثر فيليب الضابط البحري البريطاني.

وأشارت صحيفة "ديلي إكسبرس" البريطانية إلى أن الأسطول المكون من 11 سفينة أنشأ مستعمرة في بورت جاكسون قبل 234 عاما، وتميز بإعلان السيادة البريطانية على الساحل الشرقي لأستراليا، لكن الأوضاع على حدود المملكة العظمى مختلفة، إذ يحاول بوريس جونسون رئيس الوزراء البريطاني استغلال الأوضاع المحيطة، لرد الصاع صاعين لأوروبا.

بريطانيا التي عانت اقتصاديا وبقوة آثار انفصالها عن الاتحاد الأوروبي "بريكست"، سواء من ناحية عودة العمالة الأوروبية إلى بلدانها أو هرب كثير من الشركات ورؤوس الأموال خارج بريطانيا، كي لا تفقد امتيازاتها الأوروبية أو التعريفات الجمركية وإجراءات الفيزا المفروضة على البريطانيين، كما وصلت الأوضاع حد التوتر مع فرنسا كبيرة الاتحاد فيما يتعلق بلمف الصيد.

جراح لندن كانت عميقة جراء تبعات الانسحاب من الاتحاد الأوروبي، حيث كانت عاصمة الاتحاد بروكسل على ثقة بأنها أذلت بريطانيا بما يكفي لإخافة الدول الأعضاء، التي كانت تفكر في الخروج من الاتحاد والمضي قدما في خططها، لكن الحرب الروسية - الأوكرانية جاءت بمنزلة "هدية دبلوماسية" لحكومة جونسون، التي تسعى إلى استعادة هيمنتها على أوروبا أو جزء منها، بعد الدور الكبير الذي تلعبه في حسم المعركة لمصلحة كييف.

بريطانيا كانت من أول الدول التي سارعت إلى دعم أوكرانيا سياسيا وماليا وعسكريا بعد التدخل الروسي، كما تكررت زيارات رئيس وزرائها إلى العاصمة الأوكرانية وفك الحصار عن الرئيس الأوكراني فولديمير زيلينسكي. لندن وواشنطن تقودان حاليا جهود الكتلة الغربية للضغط على روسيا لإنهاء الحرب لمصلحة أوكرانيا، في مقابل الثنائي الأوروبي الألماني - الفرنسي، الذي يسعى إلى إنهاء الحرب بشكل يضمن مصالح الدولتين أولا، ثم لا ينتهي بإرغام روسيا ثانيا، ولا يطيح بحكومة الرئيس الأوكراني زيلينسكي.

خصوصا أن لندن ضحت بعلاقتها مع موسكو، وهذا العمل يجب أن ينعكس بمقابل مجد، حيث ردت روسيا على قرارات العقوبات التي اتخذتها المملكة المتحدة منذ تدخلها في أوكرانيا، بمنع شخصيات سياسية - أغلبيتها في مجلس الوزراء - من دخول أراضيها، كما منعت وزارة الخارجية الروسية بوريس جونسون رئيس الوزراء وليز تروس وزيرة الخارجية وبن والاس وزير الدفاع وعشرة أعضاء آخرين في الحكومة البريطانية من دخول روسيا.

وقالت الوزارة في بيان "إن هذه الخطوة جاءت في ضوء العمل العدائي غير المسبوق من قبل الحكومة البريطانية، ولا سيما فرض عقوبات على كبار المسؤولين الروس"، مضيفة أنها "ستوسع القائمة قريبا"، فالعلاقات بين الدولتين وصلت إلى منطقة اللا عودة في الوقت الراهن، وهنا تبحث لندن عن حركة تعود عليها بضرب عصفورين بحجر واحد، والانتقام من الاتحاد الأوروبي وموسكو.

كتبت صحيفة "كورييري دي لا سيرا" الإيطالية عن دعوة بوريس جونسون إلى تشكيل "كومنولث أوروبي"، يتألف من بريطانيا وبولندا وأوكرانيا ودول البلطيق "إستونيا ولاتفيا وليتوانيا"، وربما تركيا أيضا. بريطانيا تريد أن تكون قائدة هذا التكتل الجديد بحكم كونها الاقتصاد الأقوى بين الدول المذكورة.

هذا التكتل يخدم بريطانيا في كثير من النواحي، فهو يضم دولا مثل بريطانيا ترفض التبعية لبروكسل وتطمح إلى سيادة وطنية مستقلة، ويضم دولا طالما شكلت مصدرا للعمالة الأجنبية الرخيصة نسبيا في بريطانيا، ولا سيما بولندا وأوكرانيا، من زوار لندن قبل اكتمال "بريكست"، كما يخدم المقترح مصالح بريطانيا في إرباك العملية السياسية في أروقة الاتحاد الأوروبي، خاصة أي قرارات قد تضر بريطانيا، وهذا في حد ذاته سيخفف بشكل كبير من وطأة "بريكست".

فيما يقدم مقترح الكومنولث البريطاني منصة أكثر ديناميكية وسرعة لاتخاذ القرارات، ولا سيما في مواجهة روسيا مستقبلا، وتحديدا فيما يتعلق بالخيارات العسكرية، التي تردد الاتحاد الأوروبي كثيرا في طرق أبوابها حتى بعد بدء الحرب في أوكرانيا، فمن مؤشرات دفع بريطانيا بهذه الفكرة إلى دائرة الضوء عودة الدفء في العلاقات بين لندن ووارسو، وتفضيل الأخيرة بريطانيا على ألمانيا في صفقة تصنيع ثلاث فرقاطات حربية، وتوطين صناعتها في بولندا، وهي صفقة، إضافة إلى أخرى لتصنيع نظام دفاع جوي قصير المدى، تصل قيمتها الإجمالية إلى نحو 20 مليار دولار.

كما أن تأخير الاتحاد الأوروبي قبول عضوية أوكرانيا لفترة تمتد ما بين عشرة إلى 15 عاما - بحسب ما تسمى بـ"صيغة تيسالونيكي" - قد يسرع بتقبل كييف فكرة الكومنولث، لكن هنالك فرصا قليلة لنجاح هذا المقترح البريطاني، إذا ما بقي الدعم الشعبي لفكرة الاتحاد الأوروبي في الدول، التي تسعى بريطانيا إلى ضمها إليه على ما هو عليه اليوم، لكن الرأي العام متقلب حسب الأوضاع الراهنة، ولا يمكن الاعتماد عليه كثيرا.

الدول الصغيرة والمتوسطة في الاتحاد الأوروبي لديها مخاوف من التوسع الروسي، خصوصا بعد تدخله في أوكرانيا، وخذلان واشنطن والدول الغربية كييف، ما يعطي أفضلية بريطانية لإيجاد كيان أوروبي جديد يحل محل الاتحاد الأوروبي، تكون نواته فكرة الكومنولث، وتنتهي بالكيان الذي دعا إليه وينستون تشيرشل أول رئيس وزراء لبريطانيا في عهد الملكة الحالية قبل نحو 70 عاما في زيوريخ، الذي دعا فيه إلى تشكيل "الولايات المتحدة الأوروبية"، المعروف عنها أنها نواة فكرة الاتحاد الأوروبي، لكن على الطريقة الإنجليزية، التي لا تزال تؤمن بأفضليتها وتفوقها.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية