Author

الاقتصادات والأسواق خلال مايو وما بعده

|

اصطدم أغلب أسواق المال حول العالم منذ بداية العام حتى نهاية نيسان (أبريل) الماضي بعديد من المتغيرات المفاجئة للاقتصادات والأسواق على حد سواء، بدءا من عدم تعافي أغلب قطاعات الاقتصاد العالمي من تداعيات كوفيد - 19، وما خلفته من تعطل سلاسل التوريد العالمية، والانخفاض المستمر في العمالة، ثم اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية قبل أكثر من شهرين، التي دفعت بارتفاع أسعار الطاقة والمعادن والمواد الغذائية والأسمدة، ثم قيام الصين بفرض عمليات إغلاق صارمة في شنغهاي وعديد من مدنها الأخرى، تصديا منها لجائحة كوفيد - 19، نتج عنه مزيد من الضغوط الإضافية على سلاسل التوريد العالمية، ومزيد من الاختناقات في قطاع النقل، مشكلة تلك التحديات سحابة كبرى من الركود التضخمي على أغلب أنحاء الاقتصاد العالمي، وارتفاع معدلات التضخم إلى أعلى مستوياته خلال أكثر من أربعة عقود مضت في الدول الكبرى اقتصاديا، ما أوقع بدوره البنوك المركزية في حيرة كبرى، إما التصدي للتضخم على حساب المحافظة على النمو الاقتصادي واستعادته، أو تركه مع عدم ضمان الحصول على القدر الكافي من النمو والتوظيف، خاصة في ظل التداعيات المتجددة والصادمة للحرب الروسية - الأوكرانية والعقوبات التي تتصاعد بين فترة وأخرى، كل هذا وغيره من التداعيات الضبابية الناتجة عن تفاعل ما تقدم، رسم صورا للاقتصادات والأسواق حملت عنوانا بارزا أن لا شيء على قدر من الوضوح أو الاستقرار يمكن الاستناد إليه لفهم ما سيأتي، وأن التقلبات الحادة، خاصة في الأسواق المالية العالمية، هي العنوان الأبرز والترجمة الحقيقية لما يشهد العالم المعاصر خلال الفترة الراهنة، وبالفعل كان هذا هو الرد الحقيقي الذي عكسته الأسواق العالمية من خلال أدائها منذ مطلع العام الجاري، بتسجيلها خسائر راوحت بين 10 في المائة وأعلى من 37 في المائة، باستثناء عديد من الأسواق الناشئة التي نجحت في تسجيل أداء إيجابي ولافت، ومنها السوق المالية السعودية التي نجحت في النمو بنحو 21.7 في المائة.
أما بالنسبة للنمو الاقتصادي عالميا، فقد حمل التقرير الأخير الصادر عن صندوق النقد الدولي، تقديرات أدنى مما كان قد توقعه سابقا للنمو الاقتصاد العالمي خلال العام الجاري والأعوام القليلة المقبلة، بخفضه النمو إلى 3.6 في المائة للعام الجاري، جاء أغلبها على حساب الاقتصادات الكبرى، بتوقعه تراجع نمو الاقتصاد الأمريكي إلى 3.7 في المائة، ومنطقة اليورو بنمو 2.8 في المائة، والاقتصاد الياباني بنمو 2.4 في المائة، بينما قدر نمو الاقتصاد الصيني بمعدل 4.4 في المائة، والهندي بمعدل 8.2 في المائة، وكلا المعدلين أدنى من النمو الذي تحقق للاقتصادين خلال العام الماضي. في المقابل، حسن تقديراته بالنسبة لعديد من دول الاقتصادات الناشئة، التي رفع تقديراته بالنسبة لنموها الحقيقي المتوقع خلال العام الجاري وما سيليه من أعوام قليلة، ووضع الاقتصاد السعودي ضمن دول مقدمة النمو الأعلى بمعدل نمو بلغ 7.6 في المائة.
افتتحت الأسواق المالية العالمية شهر أيار (مايو) وهي تحمل على كاهلها خسائر راوحت بين 10 في المائة وأعلى من 37 في المائة، كما تم إيضاحه سالفا أعلاه، وهو الشهر الذي درج خلاله عالم المال والاقتصاد على ارتفاع كعب عبارة (بع في مايو وابتعد)، استنادا إلى الأداء الضعيف تاريخيا لكثير من أسهم الشركات المتداولة خلال الستة أشهر الصيفية، بدءا من أيار (مايو) وتنتهي بتشرين الأول (أكتوبر) من كل عام، مقارنة بالفترة الشتوية من العام من تشرين الثاني (نوفمبر) حتى شهر نيسان (أبريل)، ورغم تحقق كثير من حقيقة هذه العبارة على أرض الواقع منذ 1950 حتى 2013، فقد أظهرت الأسواق المالية العالمية عكس ذلك خلال الفترة التي تلتها حتى العام الماضي، ورغم ذلك فما زال لها قدر من الحضور بالتزامن مع تلك مطلة الفترة الصيفية، ويزداد خلال الفترات التي تحمل مؤشرات عكسية قائمة أو تحديات اقتصادية جسيمة كالفترة الراهنة التي تعايشها الاقتصادات والأسواق، فماذا تحمل الأشهر القليلة المقبلة للأسواق خصوصا؟
كما أن الاقتصاد العالمي بعد أكثر من ثلاثة عقود زمنية مضت، يشهد وفقا لكثير من أطروحات كبار المفكرين الاقتصاديين بداية تصدع العولمة، وهو ما بدا واضحا من التباين الكبير بين أداء الاقتصادات والأسواق على حد سواء، وكمقدمة أولية لنتائج هذا التصدع في العولمة كما هو مشاهد اليوم، فلا يعني أن الاستمرار الأقرب احتمالا في موجة الانخفاض التي تشهدها الأسواق المالية الكبرى، وقد تتفاقم خسائرها خلال الفترة القريبة المقبلة، كما يشير إليه ازدياد حدة التقلبات اليومية في تلك الأسواق، وتزامنها مع التوقعات الاقتصادية العكسية للاقتصادات فيها، إضافة إلى ازدياد الضغوط عليها من السياسات والإجراءات المتوقع اتخاذها من قبل البنوك المركزية في تلك الاقتصادات، كل ذلك لا يعني حدوثه في بقية الاقتصادات الناشئة، فكما أن أسواق تلك الاقتصادات أظهرت نموا لافتا منذ مطلع العام الجاري، كالسوق السعودية بنموها 21.7 في المائة، إضافة إلى الأسواق المالية في بقية دول مجلس التعاون الخليجي بمعدلات راوحت بين 18.8 في المائة لبورصة أبو ظبي كأعلى نمو بعد السعودية، ونحو 14.4 في المائة لبورصة البحرين، باستثناء بورصة عمان التي لم تتجاوز مكاسبها منذ مطلع العام الجاري 0.7 في المائة، وبالطبع سيكون لارتفاع عوائد النفط وتوقعات ارتفاعها فيما تبقى من العام الجاري، والأعوام القليلة المقبلة، كل ذلك سيكون له الأثر الإيجابي اقتصاديا وعلى مستوى أسواقها المالية، إضافة إلى الزيادة الأقرب للاحتمال في تدفقات الاستثمار الأجنبي نحو الاقتصادات الناشئة ولأسواقها المالية، وفي مقدمة تلك الدول المملكة ودول مجلس التعاون، كل ذلك وغيره من المؤشرات الاقتصادية والمالية الإيجابية، تسند بدرجة كبيرة تطلعات النمو الاقتصادي والأداء الجيد للأسواق، ودون النظر إلى ما قد تشهده من تصحيحات سعرية قصيرة الأجل، فالأداء العام في الأجلين المتوسط والطويل يحملان كثيرا من المؤشرات الإيجابية إلى حد بعيد - بمشيئة الله تعالى -، والمتوقع أيضا أن تشكل تلك الأوضاع الاقتصادية والمالية الجيدة لدول مجلس التعاون بالدرجة الأولى، وعديد من دول الاقتصادات الناشئة الأخرى القريبة منها، جدارا صلبا على قدر كاف للتصدي لأغلب الآثار العكسية المحتمل حدوثها نتيجة استمرار حدة الانخفاضات في الأسواق المالية العالمية، وما قد ينتج عن البنوك المركزية في تلك الاقتصادات من سياسات وإجراءات لكبح التضخم المرتفع الذي تشهده الآن، سواء على معدلات نموها أو على مستوى أداء أسواقها المالية.

إنشرها