Author

إنتاج النقود الإلكترونية داخل الجامعات .. ماذا يمكن أن يحدث؟

|
ترد إلي رسائل عدة، من جهات مختلفة حول العالم للمشاركة في أعمال تلك الجهات عن بعد، كتحكيم الأبحاث، كتابة مقالات، تحليل إحصائي، وبحوث، ولست الوحيد في هذا الشأن، بل إن مثل هذه الرسائل تصل لجميع الزملاء تقريبا، أكاديميين وكتاب رأي، ما يلفت انتباهي دائما، هو العرض الذي تقدمه هذه الجهات، حيث يقيم إنتاجك لهم من خلال نقاط، وكل نقطة بدولار، فمثلا إذا تم تقييم إنتاجك لهم بـ100 نقطة، فقد حصلت على 100دولار، ويتم ذلك طبعا من خلال فتح حساب داخلي مع الجهة؛ يتم إيداع النقاط فيه مع ما يقابلها من قيمة بالدولار، لكن هناك قيد في الاتفاقية مع هذه الجهات، ذلك أنه لا يمكنك سحب الدولارات أو تحويلها إلى جهة، فقط تستطيع أن تشتري بها من منتجات الجهة نفسها، وهذه المنتجات الإلكترونية تصلك من خلال تحميلها على جهازك عادة. ولتتضح الصورة الشاملة للموضوع تصور أنك عزيزي القارئ تتعامل مع هذه الجهات أيضا، ولديك منتجاتك البحثية أو منتجاتك معهم من التصاميم والرسومات، وتقوم هذه الجهات بمنحك نقاطا ودولارات مثل 100 دولار. طبعا سيكون لدى هذه الجهات مخزون من تصميماتك ومن مقالاتي، وهي التي تسمى سجلات بالدولارات المزعومة - دفاتر محاسبية فقط - فإذا أردت شيئا من مخزونهم من المنتجات دفعت لهم من دولاراتي تلك - مجرد تسجيل في السجلات - وإذا أردت أنت شيئا فعلت ذلك، ولو تأملت الحقيقة، فقد تم تحقيق تبادل من المنافع فيما بيننا نحن وهذه المؤسسات كانت فقط وسيطة بما لديها من تقنية إلكترونية، وتم كل ذلك دون أن ندفع من نقودنا الحقيقية شيئا، - كما لم نأخذها مجانا أيضا -. هذه الجهات ترتبط عادة بجهات أخرى على شبكات الإنترنت، وهذا ما يزيد من حجم الثقة فيها، لأنك تكون قادرا على شراء منتجات الآخرين الأخرى من خلال هذه الشبكة من الجهات.
هكذا استطاعت هذه الجهات إيجاد عملة إلكترونية فيما بينها بمجرد فوزها بثقتنا، ولو أسمتها دولارات - فهي غير الدولارات الحقيقية -، فهي مجرد وسيلة للتبادل ولا تصبح عملة فعلا حتى يمكنها تخزين الثروة، وتخزين الثروة يتحقق عندما نستطيع نقلها - أي الثروة - عبر الزمن والحدود باستخدام هذه العملة، وهذا لا يتحقق مع هذه الوسائل للتبادل، لذلك يفضل بعض الجهات تسميتها بالقوة الشرائية فقط، حتى لا يقفز في ذهن المستخدم لها أنها مخزن للثروة، إنما هي تعبير عن القدرة على الشراء والبيع وإعادة الشراء. وهذا هو ما بدأت به عملة بيتكوين في بدايات ظهورها 2009، عندما كانت مجرد وسيلة للتبادل بين المشاركين في الشبكة فقط، وتظهر النقاط - بيتكوين - في حساباتهم عندما ينتجون البرمجيات التي تطلبها الشبكة منهم، لكن بسبب مراحل معينة من التطور والثقة وأشياء أخرى، استطاعت بيتكوين أن تنتقل عبر الحدود والشبكات. ولا أريد لهذا المقال أن ينحرف عن مساره بمناقشة "بيتكوين"، لكن أريد أن أضع بين يدي القارئ الكريم الاتجاه السائد الذي قد يخرج عن السيطرة تماما، فأي نظام مغلق من شبكة من العملاء المرتبطين معا والمسجلين في الشبكة يستطيعون إنتاج عملتهم الخاصة بهم، ولو أسموها ريالات أو دولارات، فإنها ليست الريالات والدولارات المعروفة في الواقع، إنما مسميات فقط تظهر على الشاشات تعكس ما تمت كتابته في برنامج الشبكة. السؤال الذي يتبادر للذهن الآن، هل يمكن لأي جهة لديها الآلاف من المشتركين أن تنتج عملتها الإلكترونية الخاصة بها، مثلا الجامعات، هل تستطيع إنتاج عملة إلكترونية لها يتم تبادلها داخل شبكة الجامعة وأروقتها؟
تبدو الفكرة واعدة، لو تمت على نحو ما تقوم به هيئة السوق المالية من إنتاج القوة الشرائية على شبكتها، فهيئة السوق المالية تقوم فعليا بإنتاج القوة الشرائية لمعالجة فرق التوقيت بين بيع الأسهم وتحويل الأموال وهي t+2، ذلك أن النقد فعليا لا يتم تحويله بين الحسابات إلا بعد يومين من تنفيذ الصفقات، وهذا قد يؤخر المضاربات ويضعف الزخم، لذلك تجاوزت هيئة السوق المالية هذا الخلل من خلال ما أسمته القوة الشرائية، فهي مجرد وسيلة وسيطة للتبادل داخل نظام السوق، لكن في الحقيقة لا يمكنك تحويل هذه القوة الشرائية للنقد قبل مضي المدة المحدد t+2، وبالمعنى نفسه، فإن الجامعات تستطيع بناء شبكة للتبادل داخل أروقة الجامعات من خلالها يمكن إنتاج قوة شرائية، فالطلاب الذين يشاركون في برامج الجامعة وأنشطتها يمكن تحفيزهم من خلال إنتاج قوه شرائية لهم داخل الجامعة تمكنهم من الوصول إلى المكتبة الإلكترونية للجامعة، أو المكتبة السعودية الرقمية، أو حتى الحصول على دورات مدفوعة من خدمة المجتمع، وكذلك يمكنهم تبادلها مع الآخرين وبيعها إذا لزم الأمر، فإذا استطاع أحد الطلاب مثلا جمع الآلاف من هذه القوة الشرائية بما يمكنه من بيعها لأحد طلاب الدراسات العليا الذي يستطيع من خلالها دفع مستحقات الجامعة، فإننا سنكون أمام مشهد مذهل. بالتأكيد مثل هذه المشاريع الكبرى تحتاج إلى غطاء تشريعي متكامل، لكن قبل الوصول إلى هذا المستوى الواسع من التبادل، فالجامعات الخاصة على الأقل لديها فرصة لتنفيذ مثل هذه المقترحات كتجربة قبل الوصول لنموذج يمكن تطبيقه على نحو واسع.
إنشرها