FINANCIAL TIMES

لماذا يجب على أمريكا الاستمرار في النقل بالشاحنات؟

لماذا يجب على أمريكا الاستمرار في النقل بالشاحنات؟

عندما أصدر مكتب إحصاءات العمل الأمريكي بيانات هذا الشهر، تظهر أن تضخم الأسعار الاستهلاكية قد ارتفع إلى 7 في المائة، صدم كثير من المستثمرين. لا عجب، فهذا يمثل أسرع قفزة منذ 1982.
لكن هناك رقما آخر ينبغي أن يثير القلق، 17 في المائة. كان هذا هو معدل التضخم السنوي لتكاليف النقل الإجمالية بالشاحنات الشهر الماضي، وفقا لبيانات مكتب إحصاءات العمل الأمريكي. بالنسبة إلى قطاع النقل بالشاحنات لمسافات طويلة، كان الرقم أكثر رعبا حتى 25 في المائة.
هذه أخبار سيئة بالنسبة إلى العمل - والمستهلكين - بالنظر إلى أن هناك تقريبا ثلاثة أرباع الحمولات في أمريكا يتم نقلها بواسطة الشاحنات. أو بعبارة أخرى، إذا كنت تريد أن تفهم ما يكمن وراء رقم التضخم المخيف 7 في المائة، فلا تكتف بتتبع تكاليف المواد الخام أو الطاقة أو الشحن عبر الحدود، شاهد سائقي الشاحنات الذين غالبا ما يتم تجاهلهم أيضا.
إذن، هل انفجار الأسعار هذا مجرد خلل "مؤقت"، على حد تعبير مسؤولي "الاحتياطي الفيدرالي" العام الماضي؟ سيكون من اللطيف التفكير بهذه الطريقة. فبعد كل شيء، تشير الاقتصادات الأساسية إلى أن زيادة الطلب على الشاحنات - من النوع الذي شوهد في أمريكا مع انتعاش الاقتصاد من الركود بسبب الجائحة - ينبغي أن يدفع الشركات الرأسمالية القوية إلى زيادة العرض "من خلال العثور على مزيد من الشاحنات وسائقي الشاحنات"، والحد من التضخم. بالفعل، في بداية الجائحة، أصدر الاقتصاديون في مكتب إحصاءات العمل دراسة مطولة جادلوا فيها بأن سوق النقل بالشاحنات كانت مكانا يمكن أن يتكيف فيه عرض العمالة مع الطلب، تماما كما قد يتوقع المتحمسون للسوق الحرة.
لكن في هذه الأيام، ثبت أنه من الصعب بشكل مذهل توسيع الطاقة، بسبب كثير من العوائق الهيكلية الأساسية في السوق. إن ما كشفته الطفرة الاقتصادية الحالية، بعبارة أخرى، هو مجموعة من أوجه القصور حول النقل بالشاحنات التي كانت في السابق إما مخفية، أو تم تجاهلها. وهذا يجعل النقل بالشاحنات رمزا قويا لمشكلات أمريكا الأوسع في اقتصادها السياسي. المشكلات التي تم الكشف عنها في عالم متحول ليست "مؤقتة" بالقطع.
لفهم هذا، فكر في المشكلات الكامنة وراء ارتفاع الأسعار. إحداها هي ارتفاع أسعار النفط، وحقيقة أن الفوضى في سلاسل التوريد العالمية أدت إلى انحراف دورات النقل بالشاحنات المحلية. لكن يبدو أن المشكلة الكبرى هي نقص سائقي الشاحنات من البشر.
قال كريس سبير، وهو رئيس اتحادات النقل بالشاحنات الأمريكية، هذا الأسبوع "إن القطاع - الذي يضم نحو ثلاثة ملايين موظف إجمالا - يعاني حاليا نقصا في عدد العاملين قدره 80 ألف عامل". يعكس بعض هذا النقص تأخيرا مرتبطا بكوفيد في عودة الأشخاص إلى وظائفهم. ومع ذلك، يعتقد سبير أن هذا الرقم سيتضاعف في الأعوام المقبلة.
للوهلة الأولى، قد يبدو ذلك غريبا. بعد كل شيء، قبل بضعة أعوام كان النقاد يتوقعون أن وظائف النقل بالشاحنات الكادحة سيتم القضاء عليها من قبل السائقين الآليين.
لكن في الواقع، فإنه من غير المرجح أن يحدث أي تحول واسع النطاق إلى الأتمتة لأعوام عديدة، بسبب المعارضة السياسية والقيود التنظيمية، فالناخبون والسياسيون مرعوبون من سائقي الشاحنات الآليين. في غضون ذلك، يبدو أن العمال الشباب ينفرون من هذه الوظيفة، أربعة من كل خمسة سائقي شاحنات اليوم فوق سن 45.
قد يكون ذلك بسبب كل الأحاديث عن الروبوت. ومع ذلك، فهناك أسباب عملية - قصيرة المدى - لهذا الاتجاه. على الورق، يمكن لسائقي الشاحنات كسب نحو مائة ألف دولار في العام، وهو أجر كبير بالنسبة إلى العاملين الكادحين. لكن يحتاج الوافدون إلى تراخيص حكومية، وهي باهظة التكلفة وتستغرق وقتا طويلا للحصول عليها.
علاوة على ذلك، يعمل معظم السائقين هذه الأيام كمقاولين لحسابهم الخاص، و"يتحملون عبء تكاليف الغاز والتأمين والصيانة، ما يقلل ما يتبقى من رواتبهم"، كما أشارت ورقة البيت الأبيض الشهر الماضي. وحتى في الأوقات العادية، فإن هذا يجعل هذا العمل محفوفا بالمخاطر، ولا سيما أن "سائقي الشاحنات لمسافات طويلة لا يقضون سوى 6.5 ساعة في المتوسط في القيادة كل يوم عمل، على الرغم من السماح لهم بالقيادة طويلة وكاملة الحمولة 11 ساعة كحد أقصى"، ولا يتم الدفع لهم مقابل الوقت الذي لا يعملون فيه.
خلال الجائحة، على أي حال، ازداد انعدام الأمن سوءا بسبب المخاطر الطبية والتأخيرات غير القابلة للتوقع لسلاسل التوريد. كنتيجة لذلك، تبدو الوظائف الكادحة الأخرى - مثل البناء - جذابة بشكل متزايد. كما صرح عمر ألفاريز سائق الشاحنة أخيرا في مقال "رأي"، "إن النقص الحقيقي هو النقص في الوظائف النقابية الجيدة التي تعوض الموظفين بشكل عادل، وتعاملنا بالكرامة والاحترام اللذين نستحقهما".
هل هناك أي حل؟ يحاول البيت الأبيض استخدام تعديلات السياسة الصناعية، فقد تعهد الشهر الماضي بتخفيض الحد الأدنى لسن النقل بالشاحنات إلى 18 من 21 عاما، واستهداف السائقين المتمرسين، وإجبار الولايات على تبسيط نظام الترخيص الخاص بها، والعمل مع الدول لدعم التدريب. وتحاول شركات النقل بالشاحنات تبني الابتكار، باستخدام منصات الذكاء الاصطناعي لإدارة الجداول الزمنية أو شركات التوظيف الناطقة بالإسبانية، لطرق باب سوق ذوي الأصول الإسبانية لمزيد من العمال. وتدفع الشركات أيضا رواتب أعلى، ما يتسبب في ارتفاع الأجور التي يأخذها السائق إلى المنزل بنحو 7 إلى 12 في المائة هذا العام، وفقا للبيت الأبيض.
لكن من غير المرجح أن يسد هذا فجوة السائقين قريبا، أو ليس حتى من زيادات دراماتيكية في الأجور، أو وجود شبكة أمان أفضل للسائقين أو انخفاض مفاجئ في الطلب الاقتصادي. قد يظهر ذلك الأخير، حيث كانت بيانات التضخم الشهري للنقل بالشاحنات في كانون الأول (ديسمبر) أقل من تشرين الثاني (نوفمبر) الماضيين.
لكن نظرا إلى أن السلسلة الشهرية لا يتم تعديلها موسميا، فمن الخطير قراءة هذا على أنه اتجاه. في الوقت الحالي، إن النقطة الأساسية هي أن سائقي الشاحنات هؤلاء هم علامة قوية على مدى صعوبة وقف التضخم بالسياسة النقدية وحدها. وهنا تكمن المعضلة التي يواجها "الاحتياطي الفيدرالي" والبيت الأبيض.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES