Author

ماذا ينتظر سوق العقار خلال 2022؟ «2 من 3»

|
يستخلص من الجزء السابق لهذا المقال أن اتجاهات السوق العقارية والأسعار تتشكل من التصارع الأكبر لقرارات المستثمرين والمضاربين، قياسا على القوة والقدرة المالية الأكبر لديهم مقارنة ببقية أطراف السوق تحديدا المستهلكين النهائيين، وأنهم يحظون بتلك القدرة غير التنافسية سواء على جانب العرض أو الطلب، وأن مما عزز قدرتهم بصورة أكبر طوال الأعوام الأخيرة، دخول العامل الداعم الأول ممثلا في الائتمان العقاري الممنوح للأفراد، المقدر تجاوزه 370 مليار ريال خلال الفترة 2019 ـ 2021، أي: ما نسبته 97.8 في المائة من إجمالي صفقات القطاع السكني للفترة نفسها، وهو العامل المحفز لجانب الطلب، ويتمثل العامل الداعم الآخر في محدودية منهجية تنفيذ الرسوم على الأراضي البيضاء طوال الستة أعوام الماضية، التي منحت بدورها مرونة كبيرة جدا لجانب العرض، ولم تشكل وفقا لتلك المنهجية التنفيذية أي ضغط ملموس بزيادة تحرير وتطوير الأراضي، ويمكن القول إنه حتى إن وجد شيء من ذلك الضغط المطلوب على ملاك الأراضي قبل 2019، إلا أنه اختفى تماما مع دخول العامل الأول ممثلا في زيادة ضخ الائتمان العقاري للأفراد، ما دفع بدوره الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية للعودة للارتفاع مجددا بمعدلات غير مسبوقة، بعد أن خضعت للانخفاض خلال الفترة 2015 ـ 2018. لفهم أكثر دقة لما نتجت عنه تفاعلات العوامل السالفة أعلاه خلال الفترة 2015 ـ 2021 خصوصا، لا بد من التعرف على تحركات السوق والأسعار المتباينة خلال تلك الفترة، التي شهدت خلال الجزء الأول منها في الفترة 2015 ـ 2018 انخفاضا في إجمالي قيمة صفقات السوق العقارية وصلت نسبته إلى 68 في المائة "انخفاض قيمة صفقات القطاع السكني 65.1 في المائة"، تزامن معه انخفاض المتوسط العام لأسعار الأراضي السكنية وصلت نسبته إلى 33.8 في المائة، وانخفاض المتوسط العام لأسعار الفلل السكنية بنسبة 32.2 في المائة، وانخفاض المتوسط العام لأسعار الشقق السكنية بنسبة 26.0 في المائة. ثم تغير المشهد العام للسوق العقارية بأكملها خلال الفترة 2019 ـ 2021 مع دخول العامل الداعم والمحفز للطلب ممثلا في الزيادة غير المسبوقة للائتمان العقاري للأفراد، واستمرار محدودية منهجية تنفيذ الرسوم على الأراضي، ليسجل إجمالي قيمة صفقات السوق ارتفاعا خلال الفترة بنسبة 52.8 في المائة "ارتفاع قيمة صفقات القطاع السكني 39.3 في المائة"، وتزامن معه ارتفاع المتوسط العام لأسعار الأراضي السكنية بنسبة تجاوزت 85.2 في المائة، وارتفاع المتوسط العام لأسعار الفلل السكنية بنسبة 38.9 في المائة، وارتفاع المتوسط العام لأسعار الشقق السكنية بنسبة 49.0 في المائة.
بمعرفة وإدراك حقيقة العوامل المتحكمة في تحركات واتجاهات السوق خلال الفترة تحت الدراسة، سيكون ممكنا بناء عليها النظر من أقرب نقطة لاستكشاف ماذا ينتظر السوق العقارية في المستقبل القريب، التي يتشكل إطارها من الأطر التالية: في ظل استمرار علو كعب الائتمان العقاري كعامل محفز للطلب، وتزامنه مع استمرار مرونة منهجية تنفيذ الرسوم على الأراضي البيضاء، التي لا تسهم بمرونتها الراهنة في إحداث الضغط اللازم على ملاك الأراضي لتحريرها وتطويرها، بل قد تجد مع زيادة تفاعل العلاقة الطردية بين ارتفاع الائتمان وارتفاع الأسعار، حدوث العكس تماما على أرض الواقع، بزيادة تمسك الملاك/المستثمرين بدرجة أكبر بممتلكاتهم من الأراضي في ظل الارتفاع المطرد لأسعارها السوقية، وتزداد أيضا بالتزامن معه تعاملات المضاربة على الأراضي في أطراف المدن الرئيسة، والحظوة بتحقيق مكاسب قياسية غير مسبوقة، وكلا النمطين سواء الاستثمار في الأراضي أو المضاربة لا يقابلهما أي تكاليف أو مخاطرة، ما يدفع بدوره إلى اتساعهما والنجاح في اجتذاب مزيد من المدخرات والمستثمرين والمضاربين على حد سواء.
بناء على الإطار الموضح أعلاه، وبافتراض عدم حدوث أي تغيرات جذرية تؤدي إلى غيابها أو إضعافها، فإن مسار السوق العقارية خلال 2022 سيكون مشابها إلى حد كبير بما جرى خلال الثلاثة أعوام الأخيرة 2019 ـ 2021، حيث سيؤدي استمرار كل من تدفق الائتمان العقاري، والاستثمار في الأراضي والمضاربة عليها، مقابل استمرار المرونة العالية في تنفيذ الرسوم على الأراضي البيضاء، كل ذلك سيؤدي متى ما استمر إلى تصاعد نشاط السوق على مستوى قيم صفقاته العقارية، واستمرار ارتفاعات الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية، باختلاف أنواعها "سكني، تجاري، زراعي، صناعي"، وبالطبع فإن كل تلك التطورات سينتج عنها استمرار عديد من الآثار العكسية على المستويين المالي والاقتصادي، التي ظهرت على السطح المحلي طوال الأعوام الأخيرة، بدءا من ارتفاع معدل التضخم، وزيادة التكاليف التشغيلية على القطاع المنتج من الاقتصاد، إضافة إلى استمرار ارتفاع الائتمان العقاري على الأفراد، الذي سيتزامن مع ارتفاع متحصلات الاستقطاعات الشهرية من أجورهم، ويقابله تراجع نصيب المتاح منه للإنفاق الاستهلاكي على مختلف السلع والخدمات المقدمة من منشآت القطاع المنتج.
لهذا لا بد من المبادرة بإحداث واتخاذ عديد من الإجراءات والتدابير الهادفة إلى تغيير ذلك المسار، للحد بمنهجية أعلى كفاءة من التضخم المطرد لأسعار الأراضي والعقارات، وحماية الاقتصاد الوطني والمجتمع والقطاع المنتج من الآثار العكسية لذلك التضخم، وهو ما سيتم استعراضه بتفصيل أكبر في الجزء الأخير من هذه السلسلة الثلاثية بمشيئة الله تعالى... يتبع.
إنشرها