الثلاثاء, 13 أكتوبر 2026|1 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

لا يمكن إنكار أن للسلع الفاخرة جاذبيتها ورونقها الخاص، كما لا يمكن إنكار أن أسعارها أو أسعار أغلبيتها على الأقل خارج قدرات السواد الأعظم لأبناء الطبقة المتوسطة.

مع هذا تشير الكثير من دراسات علم النفس السلوكي إلى أن قطاعا كبيرا من المستهلكين الذين يشترون سلعا فاخرة ليسوا في وضع مالي يسمح لهم بشرائها، دون أن يسبب ذلك عبئا ماليا عليهم - لا داعي له في أغلب الأحيان اقتصاديا على الأقل - حتى وإن كان ذلك يوجد لديهم درجة من درجات الإشباع النفسي، أو احترام الذات أو إرضاء لشعور بالانتماء لفئة اجتماعية أعلى.

جانب آخر تشير إليه بعض الدراسات الاقتصادية وهو ميل المستهلك إلى الربط بين ارتفاع السعر وجودة المنتج، ما يشكل دائما تركيزا على العناصر والميزات الإيجابية للسلع الفاخرة وتجاهل عيوبها، وبمرور الوقت تتكون لدى المستهلكين ثقافة استهلاكية تجاه السلع الفاخرة قوامها "الغالي ثمنه فيه" وأنهم يحصلون بالفعل على مقابل "عادل" لما يدفعون ثمنه، على الرغم من عدم وجود أدلة قاطعة بهذا الشأن.

مع هذا فإن كبار منتجي السلع الفاخرة يعتقدون أن هناك عوامل أخرى تسهم في زيادة الإقبال على منتجاتهم، أبرزها الشعور الإنساني الفطري بالرغبة في مكافأة الذات بعد عمل شاق أو تحقيق إنجاز ما.

كما أن هناك أيضا شعورا لدى الكثير من الأفراد يربط بين السلع الفاخرة والأصالة، وهذا ما يدفع الكثير من المستهلكين إلى التخلي عن ساعة من ماركة شهيرة لكنها مزيفة، لمصلحة شراء النسخة الأصلية التي قد يقدر سعرها بآلاف الدولارات على الرغم من تطابق مظهر الساعتين، فالأمر هنا لا يرتبط بالرغبة في "الاستعراض" وإنما بالسعي لامتلاك "الأصالة".

هذا الجدل بشأن دوافع المستهلكين للإقبال على شراء السلع الفاخرة، ازداد حدة خلال 2020 عندما تعرضت الصناعة لهزة حقيقية نتيجة وباء كورونا، والإغلاقات التي جرت في أغلب الاقتصادات المتقدمة ذات الاستهلاك المرتفع للسلع الفاخرة، وكذلك عمليات الإغلاق في العديد من المصانع خاصة في إيطاليا حيث ينتج أكثر من 40 في المائة من السلع الفاخرة العالمية.

لكن الأوضاع بدأت تتغير خلال العام الماضي، إذ تتمتع سوق "السلع الفاخرة الشخصية" بانتعاش على شكل حرف V خلال الأشهر التسعة الأولى من 2021، وسط توقعات بأن تكون مبيعات الربع الأخير من العام المنصرم التي لم تصدر حتى الآن في هذا الاتجاه، فقد نمت المبيعات بنسبة 29 في المائة مقارنة بـ 2020، لتصل إلى 327 مليار دولار بعد انخفاض غير مسبوق، وذلك وفقا لتقرير صادر عن شركة Bain الاستشارية بالشراكة مع اتحاد شركات الرفاهية الإيطالية Altagamma.

مع هذا فإن سوق السلع الفاخرة ككل لا تزال تواجه أوقاتا غير طيبة، فالتحسن الراهن لا يزال منصبا على سوق "السلع الفاخرة الشخصية" مثل الأحذية والملابس والحقائب، أما إذا تم توسيع مجال البحث ليضم سوق السلع الفاخرة سلعا أخرى من قبيل اليخوت والسيارات والتحف واللوحات الفاخرة، فإننا سنجد أن السوق لا تزال أقل بنسبة 9 في المائة مقارنة بـ 2019.

من جهتها، تقول لـ"الاقتصادية" إملي هاموند الخبيرة الاستثمارية، "الاتجاه العام في سوق السلع الفاخرة يشير إلى تحسن عام في الأداء في 2021، لكن دون الوصول إلى مرحلة الشفاء الكامل، والسبب الأساسي في هذا الوضع، أنه خلال 2020، قضى المستهلكون أوقاتا طويلة في المنزل، وسط شعور عام بغياب اليقين الاقتصادي، ما دفعهم إلى إعادة تقييم أولوياتهم وعادات الإنفاق. الآن ومع اتساع دائرة التطعيم وفتح الأسواق فإن المستهلكين الرئيسين في هذه السوق قد خرجوا من شرنقتهم، ولديهم رغبة في التعويض، لكن لا يزال لديهم عدم ثقة كاملة بأن الاقتصاد العالمي قد تم شفاؤه بالكامل من تداعيات وباء كورونا، وتخوفهم من حدوث هزات ارتدادية في الاقتصاد يدفعهم إلى الإنفاق الحذر".

وتعتبر إملي هاموند أن 2021 ستكون بداية لمرحلة تحول في أنماط الاستهلاك في سوق السلع الفاخرة الشخصية تحديدا، بما يجلب حقبة جديدة من الاستهلاك الواعي لسلع الرفاهية، لكنها تشير في الوقت ذاته إلى أن تلك الأوضاع ستنعكس على أداء شركات المنتجات الفاخرة التي ستقوم بتشديد قيود الإنفاق باستثناء إنفاقها على مجال التسوق والإعلان.

التحسن الملحوظ الذي شاهدته سوق السلع الفاخرة في 2021، لا ينفي وجود اختلالات داخلية ملحوظة في القطاع، إذ يلاحظ أن العلامات التجارية الكبرى هي التي استقطبت معظم النمو الذي حدث خلال العام المنصرم، وأن قطاع الملابس الفاخرة سواء الرسمية أو غير الرسمية قاد نمو القطاع. ويعتقد أن هذا الاتجاه يعود بالأساس إلى أن النمط الاستهلاكي الذي ساد في 2020 وتركز على السلع الفاخرة المنزلية.

فخلال فترات الحجر المنزلي انصبت عمليات الشراء في السوق على تلبية الاحتياجات المنزلية، سواء لعدم وجود فرصة للتباهي خارج المنزل، أو للرغبة في تعظيم القيمة مقابل المال عن طريق شراء سلع وظيفية، لكن هذا الاتجاه يبدأ في الانحسار حاليا مع انتهاء تدابير الإغلاق وخروج المستهلكين لممارسة حياتهم الطبيعية.

من ناحيته، يرى تي إس ميلتون الخبير في مجال التحليل المالي أن الأرقام المتاحة لسوق السلع الفاخرة كانت إيجابية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2021، لكن يحتمل حدوث ارتداد في أرقام المبيعات خلال تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) من العام، خاصة أن عمليات التسوق تزداد بشكل كبير في الأشهر الأخيرة من العام في الدول الغربية، بسبب عطلات الميلاد، لكن يحتمل أن تشهد انخفاضا في المبيعات نظرا لانتشار "أوميكرون" المتحور الجديد من فيروس كوفيد - 19.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "سيعود المستهلكون إلى ضبط النفس عند شراء السلع الفاخرة الشخصية، وسيسيطر الحذر عند شراء السلع الشخصية الفاخرة ذات الأسعار المميزة مثل الساعات الفاخرة أو المجوهرات، لكن هذا لا ينفي أن الاتجاه الذي برز في 2021 بشأن نمو مبيعات السلع الفاخرة عبر الإنترنت بنسبة 27 في المائة بحيث بلغ 71 مليار دولار أي أعلى بنسبة 2.5 مرة من مستويات 2019 سيواصل النمو، وتشير بعض الدراسات إلى أن مشتريات السلع الفاخرة الشخصية على الإنترنت ستصل إلى ما يتراوح بين 28 و 30 في المائة بحلول 2025، خاصة مع تزايد نسبة الشباب ضمن المستهلكين في هذه السوق".

وسط تلك التطورات يرصد الخبراء ظاهرة أخذت في النمو بشكل ملحوظ في سوق السلع الفاخرة، وهي سوق السلع الفاخرة الثانوية وهو مصطلح يعني سوق السلع الفاخرة المستعملة، حيث أخذت هذه السوق في الازدهار بشكل سريع ومعدلات كبيرة.

وتشهد هذه السوق نموا بين الفئات العمرية الصغيرة، حيث قدر سوق السلع الفاخرة المستعملة التي تشمل حقائب اليد والملابس والمجوهرات والساعات بنحو 37.2 مليار دولار بزيادة بنسبة 65 في المائة مقارنة بـ 2017، بينما نمت سوق السلع الفاخرة خلال الفترة نفسها بنحو 12 في المائة فقط.

بدورها، تشير الخبيرة في مجال التسويق كريستين ريتشارد أن تنامي هذه الظاهرة جذب إليها العديد من المحال التجارية العريقة للاستفادة من بيع السلع الفاخرة المستعملة.

وتقول لـ"الاقتصادية"، إن "التحدي الرئيس في مجال إعادة بيع السلع الفاخرة الشخصية يتعلق بتعرض عمليات البيع والشراء في السوق الثانوية لعمليات النصب والاحتيال، فأنت تشتري عبر الإنترنت وقد تبدو لك الساعة التي اشتريتها على سبيل المثال أصلية، لكن عند عرضها على خبير فإنك ستكتشف وقوعك ضحية عملية نصب واحتيال".

وتضيف "العلامات التجارية الكبرى، وللاستفادة من ظاهرة تنامي الطلب على المنتجات الفاخرة الشخصية المستعملة لأنها بالطبع أقل سعرا، تقوم الآن ببيع سلع مستعملة سابقة في بعض متاجرها، مستفيدة من ثقة المستهلك بها. هذه السوق ستأخذ في التوسع خلال الأعوام المقبلة نظرا للارتفاع الكبير في أسعار السلع الفاخرة الشخصية، ودخول فئة الشباب من أبناء الطبقة المتوسطة في هذه السوق".

مع هذا يعتقد البعض أن سوق السلع الفاخرة الشخصية ستظل مقيدة في نموها حتى تعود حركة السفر والسياحة إلى طبيعتها الأولى. فما يتراوح بين 20 و 30 في المائة من عائدات الصناعة يتم توليدها من قبل المستهلكين الذين يشترون السلع الفاخرة خارج دولهم الأصلية.

ففي 2018 أي قبل عام تقريبا من ظهور وباء كورونا في الصين قام المستهلكون الصينيون بأكثر من 150 مليون رحلة إلى الخارج، شكلت أكثر من نصف إنفاق الصينيين على مشترياتهم من السلع الفاخرة الشخصية في ذلك العام.

ويمتد هذا النمط التسويقي في نظر الكثيرين إلى المستهلكين في آسيا ومنطقة الخليج العربي والأثرياء الروس، من منطلق أن التسوق أصبح جزءا لا يتجزأ من تجربة السفر ذاتها، كما أن شراء العلامة التجارية من بلدها الأصلي يحدث شعورا من الأصالة والضمان بأن المنتج غير مقلد، وربما أيضا بانخفاض نسبي أحيانا في السعر مقارنة بدول أخرى.

ويقول لـ"الاقتصادية" نيك روبنسون الباحث الاقتصادي، "الرفع النسبي لقيود السفر هذا العام أدى إلى تحسن المبيعات في سوق السلع الشخصية الفاخرة، والمستهلكون الصينيون أكبر فرصة لنمو هذا القطاع، لكن العلامات التجارية الفاخرة في حاجة إلى نهج جديد لجذب المتسوقين، خاصة أن العديد من الاقتصادات مثل دول جنوب شرق آسيا ودول منطقة الخليج والأسواق الضخمة في السعودية والإمارات تظهر طفرات اقتصادية في مرحلة ما بعد كورونا، ومعدلات الثراء في تلك المجتمعات متزايدة، ومن ثم على منتجي السلع الفاخرة التركيز أكثر على التسويق للمستهلكين في دولهم الأصلية، وإنشاء تجارب محلية خاصة، وتعزيز العروض الرقمية وعروض القنوات المحلية، والمشاركة بعمق أكثر مع المستهلكين في المناطق خارج المدن الرئيسة، على الرغم من الصعوبات المتعلقة بهذا الجانب الأخير".

ما تبرهن عليه الأرقام أن صناعة السلع الفاخرة بدأت في 2021 في استعادة توازنها المفقود في 2020، وبدأت تستجمع زخمها للانطلاق مجددا، وربما يرجع ذلك لما يوصف في بعض الأدبيات الاقتصادية "بالإنفاق الانتقامي" وهو تعبير يستخدم للإشارة إلى الطلب المكبوت على المنتجات الفاخرة الشخصية أثناء الأزمات أو بعدها.

وينسجم ذلك مع ما أثبتته تلك الصناعة مرارا وتكرارا خلال العقود الماضية بأنها قادرة على التجديد، فالقطاع يمتلك قدرات مالية وتقنية تضمن له النمو على المدى الطويل، كما أن جاذبيته الاقتصادية ليست محل شك بالنسبة للمستهلكين.

لكن استمرار المعركة مع وباء كورونا، وعدم اليقين الكامل في شفاء الاقتصاد الدولي، أسفر عن تغييرات هيكلية في السوق، وبعض العلامات التجارية الفاخرة ستخرج أكثر قوة بعد تلك الأزمة، بينما سيصارع البعض للحفاظ على موقعه.

كما أن دخول فئة الشباب على خط الاستهلاك للمنتجات الفاخرة الشخصية قد يسهم في إعادة تشكيل بعض جوانب الصناعة عبر التركيز على منتجات السوق الثانوية، ويعزز من توجهاتها نحو المبيعات عبر الشبكة العنكبوتية.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية