الجمعة, 23 أكتوبر 2026|11 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

كانت أفضل وظيفة حصلت عليها "بعيدا عن هذه الوظيفة" في مكتبة لبيع الكتب المستعملة التي تبدو كالمتاهة. كان في المنزل القديم كتب مكدسة في كل غرفة من القبو إلى العلية. وكانت وظيفتي كمراهقة هي وضع الكتب في الرفوف، وترتيب الأقسام غير المنظمة أبدا وإدارة المقهى. كان المنزل كبيرا جدا لدرجة أنني قمت بوضع جهاز مراقبة الأطفال على الجينز الخاص بي حتى أعلم عندما يقرع أحدهم جرس الخدمة. كان هناك كثير من الجري على الدرج صعودا ونزولا، لكن كان هناك دائما وقت لاحتساء الشاي والحديث مع مديري المسن، الذي كان ذكيا ومضحكا ولطيفا.

يتفق الاقتصاديون بشكل متزايد على أن جودة الوظائف مهمة بقدر أهمية كميتها. ويعتقد داني رودريك، وهو أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد، أن إحدى "المشكلات الأساسية للرأسمالية المعاصرة" هي "فشلها في إنتاج أعداد كافية من الوظائف الجيدة". ويرى دليلا على ذلك في استقطاب أسواق العمل، وازدياد عدم المساواة الجغرافية وتراجع الاستقرار الوظيفي.

يجادل دارون أسيموغلو، وهو أستاذ في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، أنه "لا يوجد أي مجتمع بشري معروف قد أوجد ازدهارا مشتركا من خلال إعادة التوزيع بشكل بحت" وأن "الوظائف الجيدة، وليس إعادة التوزيع، هي التي تقدم للناس هدفا ومعنى للحياة".

الاقتصاديون ليسوا وحدهم من يهتم. يريد أصحاب العمل الذين يعانون مع نقص الموظفين أن يعرفوا أيضا كيفية إبقاء الأشخاص سعداء في العمل.

لكن ما الذي يجعل الوظيفة جيدة؟ توصل الباحثون إلى تعاريف مختلفة بناء على كم هائل من بيانات الدراسات الاستقصائية. وقد خلصت دراسة بحثية أوروبية إلى أن "الوظيفة عالية الجودة قد تملك موارد وظيفية عالية ومتطلبات تنطوي على تحديات عالية، فضلا عن الراتب العالي، والأمن الوظيفي وفرص التطور".

لم ينطبق على عملي في المكتبة أي من هذه الخيارات. وبشكل مشابه، عندما سألت الناس على منصة تويتر أن يخبروني عن الوظائف التي أحبوها، تراوحت القصص التي تلقيتها من العمل في أزمة الصباح في "الطلبات بالسيارة" في متجر دونات إلى مشاهدة الأفلام لتحديد أي شهادة عمرية ينبغي أن يكون عليها. لقد سمعت من المعلمين وعمال البناء ومحاسبي المتاجر وفنيي الكهرباء والأكاديميين.

وبعض الأشخاص ثمنوا أمورا معاكسة تماما لبعضها البعض. حيث تحدث صحافي عن كونه مراسلا أجنبيا خلال أزمة في آسيا. "كل ما رأيته أو سمعته في الشوارع كان له معنى. بدا وكأن الجدران غير المرئية حول الوظيفة قد تلاشت". أحب البعض الآخر الوظائف التي تكون فيها تلك الجدران غير المرئية محكمة الإغلاق. وقال آخر، "أنا لا آخذ عملي إلى المنزل معي، ولا أفكر أبدا بالعمل عندما أكون في المنزل". أحب البعض الوظائف التي كان العمل فيها هو شغفهم أو هوايتهم، ووجد آخرون الفرح في صحبة زملاء مرحين في وظائف مملة بخلاف ذلك.

كان أحد الاستنتاجات الواضحة هي أن الوظائف المختلفة تناسب أشخاصا مختلفين في مراحل مختلفة من حياتهم. عدم وجود احتمالات للتقدم وثلاثة جنيهات استرلينيه للساعة لم يكن مهما بالنسبة لي عندما كنت مراهقة، لكنها ستكون مهمة لشخص لديه إيجار ومسؤوليات. وهذا يطرح تحديا للأكاديميين الذين يرغبون في تحديد وقياس عدد "الوظائف الجيدة" في الاقتصاد.

ومع ذلك، فهناك خيط مشترك واحد يربط بين قصص كثير من الأشخاص حول الوظائف التي يحبونها، مدير محترم منحهم بعض الاستقلالية و"دعمهم".

يؤكد البحث أهمية صفوف الإدارة المباشرة الجيدة. ووجدت دراسة بريطانية أجريت على الوحدات التابعة لخدمة الصحة الوطنية أن تلك الوحدات ذات "ممارسات إدارة الأفراد" الجيدة، مثل المديرين الداعمين، كانت أكثر احتمالا أن يكون لديها موظفون راضون، وانخفاض في مستويات الغياب ومرضى راضون. وقد وجد البحث الذي أجراه مكتب الإحصاء الوطني علاقة إيجابية ذات دلالة إحصائية بين درجات الممارسة الإدارية وإنتاجية العمل.

إن أصحاب العمل البريطانيين يستثمرون بشكل قليل لدرجة مدهشة في أمور مهمة للغاية. فقد وجدت دراسة استقصائية حكومية في منتصف 2017 أن ثلثي أصحاب العمل فقط قد قدموا أي تدريب لطاقم العمل في الشهور الـ12 الماضية، وأن 35 في المائة فقط منهم قدموا تدريبا إداريا. كان "مديرو" المجموعات المهنية الأقل احتمالا لتلقي التدريب خلال الـ12 شهرا التي سبقت الدراسة الاستقصائية حول أصحاب العمل، والمجموعة المهنية الوحيدة التي تلقى أقل من نصفها تدريبا.

إن التدريب ليس كل شيء بالطبع. حيث يحتاج المديريون إلى منحهم حرية التصرف والوقت والثقة لكي يتمكنوا من إدارة فرقهم بشكل جيد. يمكن لبعض سياسات الشركات أو أهدافها تقويض هذه العلاقات. وعلى سبيل المثال، إن أنظمة الأداء التي تجبر المديرين على تخصيص نسبة ثابتة لفرقهم كأصحاب أداء عال ومتوسط ومنخفض تحول الزملاء إلى منافسين والمديرين إلى أعداء. ويمكن للبرمجيات التي تراقب الموظفين أو تقومهم أن تؤدي بالمثل إلى تآكل الثقة بين المديرين وموظفيهم.

الخبر السار لأصحاب العمل هو أنك لست مضطرا للدفع بشكل مذهل أو تقديم أفضل المزايا لتكون مكانا لائقا للعمل. والخبر السيئ هو أنه إذا كنت تدير شركة يتم فيها التغاضي عن المديرين السيئين أو حتى مكافأتهم، فلن يتمكن أي قدر من الفاكهة المجانية أو تطبيقات التأمل للموظفين من إصلاح الأمر.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية