الأحد, 25 أكتوبر 2026|13 جُمَادَى الْأُولَى 1448
الاقتصادية

يتوقع خبراء أن يكون الاقتصاد العالمي في وضع أفضل خلال العام الجديد، حيث سينمو بمعدلات كبيرة، في حين يرجح آخرون أنه لن يكون في وضع أفضل، ومعدلات النمو ستكون منخفضة، ولا يتوقع خروجه من عنق الزجاجة.

إذا أردت أن تعرف ما الذي سيحدث للاقتصاد الدولي العام الجديد، فإنك ستجد عند خبراء الاقتصاد جميع التوقعات الإيجابية وعكسها، وستجد لكل فريق حججه ومنطقه وأرقامه.

لكن أيا كانت تلك الحجج ومنطقها فإن الأغلبية العظمى من الخبراء يتفقون على وجود اتجاهات عامة ستحدد ملامح الاقتصاد العالمي ومساره خلال 2022.

بدورها، أجرت "الاقتصادية"، في محاولة لمعرفة أهم الملامح والقضايا التي سترسم وتهيمن على تفاصيل المشهد الاقتصادي في العام المقبل، استطلاعا للرأي، ضم عددا من خبراء الاقتصاد في المملكة المتحدة، لمعرفة رؤيتهم لأبرز ملامح الاقتصاد الدولي في 2022.

السؤال الأهم حاليا بين صناع السياسات الاقتصادية على مستوى العالم، يدور حول معدلات التضخم المتوقعة في 2022، وهل ستظل قضية التضخم وارتفاع مستويات الأسعار دوليا، من أبرز تحديات العام الجديد، كما هو الوضع في الربع الأخير من 2021.

أم أننا أمام شبح زائل يسهل التعامل معه والسيطرة عليه حتى وإن ظهر مفزعا ومخيفا للبعض، وهل سيفلح محافظو البنوك المركزية في ترويض التضخم والتحكم فيه خلال العام الجديد، أم أن 2022 سيكون بداية انفلات التضخم من عقاله ليصب غضبه على الجميع؟

البروفيسور توم مارك الاستشاري السابق في بنك إنجلترا يعتقد أن معدلات التضخم على المستوى الدولي شهدت مسيرة هبوطية بطيئة منذ ثمانينيات القرن الماضي حتى 2020، وأن محافظي البنوك المركزية أفلحوا في إبقاء ضغوط الأسعار تحت السيطرة، مبديا تفاؤله بقدرتهم على كبح جماح التضخم مجددا، لكن هذا لا ينفي من وجهة نظره أنهم سيظلون واقفين على أطراف أصابعهم حتى ينجحوا في ذلك.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "إن معدلات التضخم ستتجاوز في العام الجديد أهداف البنوك المركزية، إلا أنها ستتلاشى في النهاية باعتبارها مصدر قلق للاقتصاد الكلي، وقد تتسبب مشكلات الشحن في إطالة أمد التضخم بعض الوقت، وتعوق السيطرة السريعة عليه، لكن في نهاية المطاف ونتيجة تخلي البنوك المركزية الرئيسة عن سياسة التحفيز المالي، والاتجاه الراهن إلى رفع أسعار الفائدة، وارتفاع معدلات التطعيم ومن ثم عودة مزيد من العمال إلى العمل، وبالطبع زيادة الإنتاج، كل هذا سيساعد على التخفيف من نقص السلع ومن ثم انخفاض الأسعار".

ويعتقد البروفيسور توم مارك أن العوامل الهيكلية التي أدت إلى انخفاض التضخم منذ ثمانينيات القرن الماضي لا تزال قائمة، حيث إن الشيخوخة ظاهرة متنامية في كثير من المجتمعات المتقدمة، ما يخفض معدلات الاستهلاك لديها، بينما أضعفت العولمة من دور النقابات العمالية وتهديداتها بالقيام بإضرابات والتأثير سلبا في معدلات الإنتاج ومدى توافر السلع.

ويضيف "ولذلك يرجح أن ينخفض معدل التضخم في الولايات المتحدة من 6.2 في المائة في أكتوبر 2021 إلى 1.8 في المائة نهاية العام الجديد، أما في منطقة اليورو فسينخفض من 4.1 إلى 1.2 في المائة، وفي الاقتصادات الصاعدة من 6.8 في المائة في 2021 إلى 4 في المائة خلال 2022، بينما على المستوى العالمي سينخفض من 6.6 في المائة في 2021 إلى 2.7 بنهاية العام الجديد".

في حين، لا ينفي جاكسون ميلر الخبير الاستثماري أن قضية التضخم سيكون لها تأثير كبير في الاهتمامات الاقتصادية للسواد الأعظم من البشر، إذ تمس حياتهم اليومية ومستوى معيشتهم بشكل مباشر. لكنه يعتقد أن وضع العملات الرقمية ومصيرها سيكونان القضية المحورية في أسواق الاستثمار في 2022.

من وجهة نظره، فإن مستقبل سوق العملات الرقمية سيرتبط في العام الجديد بخطوة يصفها بـ"التاريخية" تتعلق بإصدار البنوك المركزية عملتها الرقمية.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "بطبيعة الحال لن تصدر جميع البنوك المركزية عملتها الرقمية في العام ذاته، إلا أن 2022 سيكون بداية إطلاق بعض البنوك المركزية الرئيسة التي تحدد مسار السياسة النقدية في العالم عملتها الرقمية. هذه الخطوة ستحدث تغييرا جذريا في سوق المدفوعات العالمية، وعلى الرغم من أن خطوة كتلك تعد تحديا خطيرا لسوق العملات الرقمية المتداولة حاليا، إلا أنها ستمنح مفهوم العملات الرقمية الشرعية الباحث عنها ليكون جزءا من منظومة التداولات المالية اليومية".

ويضيف "هناك دوافع مختلفة لإقدام البنوك المركزية على إصدار عملاتها الرقمية، وربما تكون زيادة الشمول المالي وتسهيل خيارات الدفع وتسريعه وجعله أرخص، ومواجهة الأصول الافتراضية المدارة من القطاع الخاص، وتسهيل مراقبة الأنشطة المالية، جميعها عوامل ستسرع من إضفاء طابع رسمي على علاقة البنوك المركزية بالعملات الرقمية هذا العام".

ويعتقد جاكسون ميلر الخبير الاستثماري أن أحد أبرز ملامح 2022 فيما يتعلق بالعلاقة بين البنوك المركزية والعملات الرقمية سيتوقف على ما ستقوم به الصين في دورة الألعاب الأولمبية الشتوية.

ويرى أنه إذا صدقت التوقعات بأن بكين ستطلق خلال تلك الاحتفالية الدولية اليوان الرقمي، فإن ذلك سيحدث تغيرات سريعة في موقف البنوك المركزية الكبرى مثل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي في التسريع بإطلاق عملتها الرقمية، وستخرج تلك البنوك المركزية من وضع البحث في هذا الملف إلى وضعية التنفيذ العملي، لتفادي انفراد الصين بالسوق الدولية للعملات الرقمية.

ويؤكد أن إقدام بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي وهما حليفان رئيسان لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي على إصدار عملتيهما الرقميتين، سيشكل موجة من الضغط على "الفيدرالي الأمريكي" لحسم النقاشات الداخلية الدائرة الآن، والتحول إلى خطوة عملية تتضمن التسريع بإطلاق الدولار الرقمي، مع اتخاذ تدابير تتسق مع سياق أوسع يتعلق بتنظيم سوق العملات الرقمية الصادرة من البنوك المركزية.

لكن جاكسون ميلر يستبعد أن يطلق "الفيدرالي الأمريكي" الدولار الرقمي في العام الجديد، حيث إن الأسواق الأمريكية غير مستعدة بعد لتلك الخطوة.

من جهتها، ترى الدكتورة تيلدا وينتور أستاذة الاقتصاد الدولي في جامعة أكسفورد أن 2022 سيتسم بكثير من التحديات، لكنها تعتقد أن التحدي الأكبر الذي سيواجه الاقتصاد الدولي هذا العام يرتبط بالاقتصادات الناشئة التي ستعاني نموا محدودا وانخفاض الرغبة في المخاطرة نتيجة التشدد النقدي العالمي، ما يجعل قضية ديون الاقتصادات الناشئة في مقدمة التحديات في العام الجديد.

وتقول لـ"الاقتصادية"، "إن الأسواق الناشئة راكمت مستويات عالية وغير مريحة من الديون، نتيجة اقتراضها في 2020 لمواجهة الأوضاع الاقتصادية المتردية بسبب جائحة كورونا، وتقدر ديون الأسواق الناشئة بأكثر من 8.34 تريليون دولار بالعملات الأجنبية أو نحو 30 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للعالم النامي حتى نهاية الربع الأول من 2021، وهناك 29 دولة فقيرة معرضة لخطر كبير بعدم القدرة على السداد، وما لا يقل عن 478 مليار دولار من أصل الدين المقوم بالعملات الأجنبية يستحق السداد في 2022".

وتعتقد الدكتورة تيلدا وينتور أن تفاقم الديون الحكومية في الأسواق الصاعدة سيقيد حركة تلك الاقتصادات، وربما تجبر على رفع معدلات الفائدة على الرغم من ارتفاع معدلات البطالة، ما يفاقم أزمتها الاقتصادية، كما أن هناك أيضا قضية الديون غير الحكومية في الاقتصادات الناشئة، فعلى سبيل المثال شركة التطوير العقاري الصينية إيفرجراند مثقلة بالديون وتتجاوز التزاماتها بـ300 مليار دولار، أي ما يعادل ديون تسعة اقتصادات ناشئة.

وتحذر من أن ضعف العملات المحلية كما يحدث في تركيا وإيران والأرجنتين وفنزويلا وانخفاض الإيرادات الحكومية وتضاؤل الاحتياطيات الأجنبية ستجعل من الصعب على تلك الأسواق الناشئة مواكبة مدفوعات الديون الخارجية في 2022.

يتفق واتس بلانت الباحث الاقتصادي مع تقديرات الدكتورة تيلدا وينتور.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "رغم أن تلك الاقتصادات الناشئة ليست الفعل الرئيس في الاقتصاد العالمي، إلا أن انفجار أزمة الديون لديها إذا ما حدث في 2022، سيجعل المشهد الاقتصادي العالمي مليئا بمزيد من الندبات، وسيحد من قدرة الاقتصاد العالمي على النهوض".

الدكتور بروك دريفر أستاذ التاريخ الاقتصادي في جامعة كامبريدج يرى أن التجربة التاريخية تشير إلى أن الملامح الاقتصادية النهائية لأي عام من الأعوام تتعلق في كثير من الأحيان بطبيعة العلاقة القائمة بين القوة المهيمنة على الاقتصاد الدولي.

من هذا المنطلق يشير إلى أنه من الأهمية بمكان إدراك أن الظواهر الاقتصادية الرئيسة التي ستصبغ العام الجديد، سترتبط بطبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والصين.

ويقول لـ"الاقتصادية"، "تصاعدت التوترات بين واشنطن وبكين في فترة الرئيس ترمب، وكان هناك أمل في التحسن في عهد الديمقراطيين، لكن التوترات لم تهدأ، بل تنامت، وإذا انفجرت قضية تايوان فحتما سيؤثر هذا في التجارة والاقتصاد العالمي. هذا المشهد قد يغير جميع الملامح الاقتصادية لـ2022 والأعوام المقبلة، إذ يمكن أن يكتسب المظهر الرئيس للاقتصاد الدولي مزيدا من القيود في مجال التبادل التجاري، بما يشكل كثيرا من المخاطر وعدم اليقين الاقتصادي، وقد تدفع تلك الأوضاع إذا ما تدهورت أكثر إلى حالة من صراع العملات، ما ينبئ بتدهور معدلات نمو الاقتصاد العالمي".

في هذا الإطار يعتقد الباحث جيمس هنلي الخبير في مجال التجارة الدولية أن التكلفة المرتفعة للنزاع العسكري المباشر وصعوبة تحديد مرتكبي الهجمات الإلكترونية عبر الإنترنت، يجعل الحروب الإلكترونية ببعدها الاقتصادي أحد أبرز الملامح التي ستواجه الاقتصاد العالمي في العام الجديد.

ويؤكد لـ"الاقتصادية" أن إغلاق الشبكة الوطنية لدولة ما من شأنه أن يعطل العمليات التجارية بشدة، ما يوجد عدم يقين وبما يؤثر في معنويات المستثمرين، وهذا الوضع لا يمكن الاستهانة به في ظل العداء المتزايد بين أوروبا وروسيا من جهة والصين والولايات المتحدة من جهة أخرى، متوقعا تصاعد الحروب السيبرانية ذات الطابع الاقتصادي خلال 2022، وستكون لها تداعياتها على الاقتصاد العالمي والخسائر التي ستلحق به.

للإشتراك في النشرة
تعرف على أحدث الأخبار والتحليلات من الاقتصادية