Author

معضلة أيرلندا الأوروبية

|
"لم نشهد أي تحرك على الإطلاق من بريطانيا بشأن الخلاف حول أيرلندا"
ماروس شيفوفيتش، مفوض الاتحاد الأوروبي
لا أحد حقيقة، يعرف إلى أين ستصل المفاوضات بين الاتحاد الأوروبي وبريطانيا وشكل الحدود بينهما عند إقليم أيرلندا الشمالية التابعة للتاج البريطاني. هناك ما يمكن اعتباره فوضى في هذا المجال، تدعمها حالة عدم الثقة بين الطرفين، يضاف إلى ذلك الغموض الذي يكتنف موقف الحكومة البريطانية التي تحاول بكل ما لها من قدرات أن تدخل مسألة خروج المملكة المتحدة من الاتحاد الأوروبي "بريكست"، في مرحلة التمكين أو التكريس. فهذه الحكومة أتت إلى الحكم فعلا على أساس أنها الأنسب لإتمام هذا الخروج، الذي شهد تعاقب ثلاث حكومات عليه، هي تلك التي قادها ديفيد كاميرون صاحب استفتاء "بريكست"، ومن بعده تيريزا ماي صاحبة المرونة في التعاطي مع الأوروبيين، وبوريس جونسون، الذي ما كان ليصل إلى موقعه هذا لولا هذه المسألة.
في الآونة الأخيرة ابتعدت بريطانيا - بحسب المفاوضين الأوروبيين - عن لهجة التهديد التي استخدمتها مع المفوضية الأوروبية. وبروكسل لا ترفض أي حل وسط بشأن المسألة الأيرلندية التي ولدت مشكلات لبريطانيا على مدى عقود من الزمن، ولم تتوقف هذه المشكلات إلا بعد اتفاق الجمعة الحزينة قبل أكثر من 20 عاما، برعاية الولايات المتحدة في عهد الرئيس الأسبق بيل كلنتون. هذا الاتفاق صار مع الأيام خطا أحمر أمريكيا إلى درجة أن هدد الرئيس الأمريكي جو بايدن؛ حكومة جونسون مباشرة من مغبة القفز عليه أو الالتفاف حوله في مسألة تنفيذ البند الأصعب في "بريكست"، وهو شكل الحدود بين أيرلندا الشمالية وجمهورية أيرلندا المستقلة. فواشنطن تعد هذا الاتفاق التاريخي إنجازا لها وللسلام الذي غاب عن تلك المنطقة عقودا.
هذه المسألة ليست سهلة، وكل الأطراف تعرف ذلك، ولذلك لا بد من أن تكون هناك تنازلات من جانب لندن وبروكسل في آن معا. فالمفوضية الأوروبية تتفاوض في الواقع نيابة عن جمهورية أيرلندا التي تتمتع بالعضوية الكاملة في الاتحاد الأوروبي، كما أن هذه الجمهورية تمثل حدودا أساسية بين الاتحاد والمملكة المتحدة. فعلى بريطانيا أن تقبل وجود حدود ضمن حدودها، لكن أكثر مرونة، أي غير مشددة. لماذا؟ كي تبقى الحدود بين الأيرلنديتين مفتوحة تنفيذا لاتفاق السلام التاريخي المشار إليه. هذه الحدود متداخلة بصورة كبيرة، حتى إن أحد المزارعين في أيرلندا الشمالية قال: إن قطيعه من البقر يرعى في جمهورية أيرلندا كل يوم، وصار يعرف طريق العودة إلى حظائره.
هذه المفاوضات المفصلية حقا تنحصر في التوافق على تغييرات في كيفية عمل اتفاق "بريكست" لضمان التدفق الحر للتجارة بين بريطانيا وأيرلندا الشمالية. أي بين البلد الواحد، والأوروبيون يعرضون خفض الضوابط الجمركية إلى النصف، والتفتيش الصحي على المنتجات الحيوانية والنباتية المتجهة من بريطانيا إلى أيرلندا الشمالية بنسبة 80 في المائة. لكن حتى الآن لا تزال لندن مترددة في قبول هذه العروض الأوروبية التي تعد مغرية حتى من سياسيين بريطانيين أيدوا خروج بلادهم من الاتحاد الأوروبي. ولا يزال ديفيد فروست الوزير البريطاني المكلف بالتفاوض مع بروكسل شبه صامت بهذا الشأن، خصوصا في ظل تسريبات لا تنتهي عن خلافات حول هذا الموضوع داخل الحكومة البريطانية نفسها.
الحقيقة الأكثر وضوحا في هذه النقطة تحديدا، هي أن أي فشل بين الطرفين، سيعجل من نشوب حرب تجارية بين الحلفاء السابقين. وهذا آخر ما يرغب فيه المشرعون الأوروبيون والبريطانيون. ففي بداية العام الجاري وصلت الخلافات بين فرنسا وبريطانيا حول حقوق الصيد، إلى تحريك قطع حربية ضد بعضهما بعضا. بالطبع لا أحد يتوقع حربا بينهما، إلا أن الحرب التجارية، أو لنقل المعارك التجارية بين لندن وبروكسل واردة جدا، في الوقت الذي ارتفعت فيه حدة الحمائية على جانبي القنال الإنجليزي، لأسباب ترتبط بالأزمة الاقتصادية التي تركتها جائحة كورونا على العالم، وخلفت أيضا مشكلة متصاعدة في ساحات سلاسل الإمدادات. والطرف الأكثر تأثرا في هذا الجانب يبقى بريطانيا، التي تعاني نقصا مخيفا في عدد سائقي الشاحنات الأوروبيين بسبب "بريكست".
يبدو واضحا أن اتفاق ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ليس أقل حدة ومشكلات من اتفاق الخروج نفسه. ولا بد أن تكون هناك مرونة ولا سيما على الجانب البريطاني الذي لا يمكنه بالطبع أن يضرب اتفاق السلام في أيرلندا المضمون أمريكيا ودوليا أيضا. إنها المعضلة التي عاشتها المملكة المتحدة منذ أكثر من قرن من الزمن. الساحة الأوروبية كلها لا يمكنها أن تتحمل حربا تجارية مع أي طرف أوروبي. ويرى قادة أعمال بريطانيون أن إمكانية تعليق لندن العمل بالاتفاق المبرم مع الاتحاد الأوروبي، سيؤدي حتما لحرب تجارية وصفوها بأنها ستكون مدمرة. فتفعيل المادة الـ 16 المرتبطة بتعليق العمل بالبروتوكول الخاص بأيرلندا الشمالية من جانب المملكة المتحدة، يعني تدمير كل ما أنجز بين حلفاء الأمس بشأن "بريكست".
إنشرها