Author

اللاجئون يثيرون الهلع في الغرب

|
الناظر إلى حدود بعض الدول الغربية، خصوصا الأوروبية منها، سيلحظ كأن الحرب على الأبواب. والحروب تستعر بين الجيوش الجرارة في الأغلب، أو في أقل تقدير بين جيوش وعساكر الدول بغض الطرف عن مدى وماهية التسليح.
إلا أن هذه الحرب تدور رحاها بين جيوش مدججة حتى أسنانها بالسلاح وشرطة في حوزتها أقسى ما استنبطه البشر في السيطرة على الآخر وبين أناس عزل اقتلعوا من مجتمعات وثقافات نتيجة موجات عنف رهيبة حولت دولهم إلى دول فاشلة.
هؤلاء الناس الضعفاء يهيمون على وجوههم الآن بحثا عن مأوى بعد أن ضاقت بهم الدنيا. في دواخل أنفسهم اعتقدوا أن إنسانية الغرب ستأويهم، إلا أنهم اصطدموا بجدار من الأسلاك الشائكة وصفوف من آلاف العساكر ترمي بهم خارج حدود دولها.
"هل هذه إشارات لأزمنة السيئة التي تنتظرنا؟" تساءل صحافي بريطاني في مقال يصف فيه ما يحدث حاليا على الحدود بين بعض الدول الأوروبية.
الدول الغربية وحكوماتها في حالة طوارئ لما يمكن أن تحدثه الموجة الجديدة من اللاجئين التي تطرق أبواب دولها.
شخصيا تأثرت كثيرا بهذا الموجة بالذات لأن فيها الدليل القاطع كيف أن الأقوياء يستغلون الضعفاء، وكيف أن الضعفاء يجري تنميطهم كأنهم الخطر الكبير الذي يهدد البشرية وليس شيئا آخر.
وهذه الموجة تظهر، بعد ما بدا أن الغرب قد ضاق ذرعا بتدفق اللاجئين إلى دياره، وأن الضعفاء لا قيمة لهم عدا كونهم بيادق في سياسة المحاور وسياسة تحقيق نقاط سياسية ذات أبعاد استراتيجية، وأن سياسة اللجوء لا علاقة لها بالبعد الإنساني، كما يراد لنا أن نعرف.
أغلب اللاجئين الذين يحاولون اجتياز بولندا من بيلاروسيا بغية الوصول إلى المانيا، ومنها صوب الدول الإسكندنافية هاربين من الجحيم الذي يحرق دولهم والفقر المدقع الذي تئن منه مجتمعاتهم.
وليس من الغرابة في شيء أن تكون الأكثرية الساحقة منهم قدمت من دول في الشرق الأوسط.
وأنت تقرأ سيل المقالات عما يحدث على الحدود البولندية والخشية التي تنتاب ألمانيا ودول أوروبية أخرى إن وصلت هذه الموجة إلى دولهم، من النادر أن تحصل عن أجوبة حول كيف ولماذا يغادر الناس، شبابا وشيبا وأطفالا ونساء، دول تطفو على الذهب الأسود مثل العراق، مقتحمة الأهوال ومتحدية الموت في طريقها صوب ما تراه "فردوسا" في انتظارها.
نعم هناك أصوات خافتة تبحث عن الأسباب التي تعزو موجات اللاجئين المتتالية، التي صار الغرب يخشاها كثيرا، إلى سياسات الغرب ذاته في التدخل العسكري والاستخباراتي وغيره في دول خارج حدوده وفي الشرق الأوسط خصيصا.
والتجربة تظهر أن التدخل العسكري الأجنبي في الشرق الأوسط لم يجلب الرخاء الموعود، بل حول الدول المستهدفة الى دول فاشلة، من العسر في مكان العيش بكرامة فيها.
وصار اللاجئون اليوم جزءا من الاستراتيجية السياسية بدلا من أن يكونوا رمزا لإنسانيتنا.
دول العبور التي يتخذها اللاجئون محطة انتقال جعلت من الدول الغربية رهائن لسياساتها. وهكذا نلحظ قادتها يلجأون إلى ورقة اللاجئين لتحقيق مرام سياسية واقتصادية.
وبدلا من البحث في جذور المشكلة والأسباب التي تدفع الناس إلى الهرب بحثا عن مأوى تفتقده في أوطانها، تعمد الحكومات الغربية التشبث بسياسات التدخل التي لم تجلب للدول المستهدفة غير البلاء والشقاء.
تتوهم هذه الدول إن ظنت أن فرض العقوبات هو الطريق الناجع للحد من مواسم الهجرة صوب دولها. حصار الدول ومعاقبة شركات طيران محددة، وهذا ما يبحثه الاتحاد الأوروبي حاليا، لن يفلح في الحد من الهجرة. ولن تنفع سياسة التعامل بقسوة مع هؤلاء المستضعفين من الناس كما يحدث الآن حيث يمضي آلالاف منهم أيام الشتاء القاسية في العراء. ولا أظن جعل التشريعات الخاصة بقبول اللاجئين أكثر صرامة، كما يحدث في إنجلترا وبولندا ودول أوروبية أخرى، سيكون له أثر يذكر. ما دامت الأوضاع في دول شرق أوسطية تقع على عتبة الغرب سيئة للغاية، فكل موجة من اللاجئين ستلحقها موجة أخرى.
الموجة الجديدة ترسل أكثر من إشارة سلبية لمستقبل البشرية عندما تقرع الساعة التي فيها يضطر الملايين إلى الهرب من الكوارث الطبيعية، مثل التغييرات المناخية، بحثا عن ملجأ.
لقد ظهر للعيان في الأحداث الأخيرة على الحدود البولندية وما يتخذه بعض الدول من سياسات وإجراءات عنيفة لضبط الحدود منعا لعبور اللاجئين أن الوعود للتعامل الإنساني مع الموجات المليونية المتوقعة بسبب النازحين بسبب الانحباس الحراري ما هي إلا أضغاث أحلام.
ستقاوم الدول الغنية أي محاولة لمشاركة الآخرين ثراءها ورخاءها، وما الأحداث الأخيرة والممارسات والأقوال التي ترافق موجة اللجوء الحالية واستخدام العنف المفرط والعساكر لحماية الحدود ودفع اللاجئين خارجها إلا مؤشرات أولية على الأسواء الذي ينتظره عالمنا.
هناك خشية أن تتحول سياسات طرد اللاجئين إلى ما وراء الحدود باستخدام العساكر والأساليب العنيفة إلى قضية وطنية ومسألة عادية تشرعنها الدساتير والقوانين. ومن هنا كانت صرخة مدوية تلك التي أطلقها بعض الصحف البريطانية في وجه الحكومات منددة بسياساتها صوب اللجوء، ومحذرة من أن ضبط الحدود بهذا الشكل العنيف والمفرط ستكون نتيجته كارثية من الناحية الإنسانية في المقبل من الأيام.
إنشرها