Author

من لا يعرف المخاطر يجهل الرقابة

|

الثقة والمخاطر وجهان لعملة واحدة، فإذا قيل: إننا نثق في شيء ما بنسبة 95 في المائة، فكأننا نقول في الوقت نفسه: إن المخاطر الملازمة له هي 5 في المائة، ولذا فلا يمكن فهم الثقة دون فهم المخاطر – وهذا بشكل مطلق عندي، لا توجد ثقة مطلقة بلا مخاطر، إلا إذا كانت ثقة عمياء ساذجة أو إيمانا عظيما له دلائله، وإذا استثنينا الإيمان المطلق من هذا النقاش فلا يمكننا قياس الثقة في موضوع ما، إلا من خلال قياس المخاطر المرتبطة به، الرعب يحدث عندما نفشل تماما في قياس المخاطر، ونظن أنها مرتفعة جدا، لكن بلا فهم وقياس حقيقي لها، والتهور كقيمة تقابل الرعب عندما نفشل أيضا في قياس المخاطر ونظنها منخفضة جدا.
لذلك، فإن الرعب والتهور هما عندي يمثلان أسوأ حالات الفشل في قراءة وقياس المخاطر. لكن الثقة كمفهوم فلسفي مستقل، تعني القدرة على تحقيق الهدف، وهذا يعني أن وجود الأهداف ضرورة لوجود الثقة، فالشخص الذي لا أهداف له يسعى لتحقيقها، ليس بحاجة إلى الثقة في شيء ما، وهذه حالة مستحيلة فعليا، إذ إن غياب الأهداف يعني الموت، وما دام الانسان حيا، فإن له هدفا ولو أن يبقى على قيد الحياة، ولهذا ترتبط كل الثقة بالأشياء من حوله بمدى تأثيرها في هذا الهدف. وكذلك، كلما صعد الإنسان في سلم الغايات، فالثقة ترتبط بالأهداف كما ونوعا. وإذا كنت أقول: إنه لا يمكننا أن نقيس الثقة مباشرة، لأنها قيمة أخلاقية بل نقيس المخاطر التي تعطينا مؤشرا على الثقة، وإذا كان وجود الثقة مرتبط كما ونوعا بوجود الهدف، فإن المخاطر ترتبط أيضا كما ونوعا بالهدف. فإذا كانت شركة تسعى للربح، فإن الثقة في قدرتها على تحقيق ذلك ترتبط أساسا بالمخاطر التي تحيط بذلك. إذن: يمكن اختصار كل ما سبق بقولنا: إن الثقة المرتفعة في تحقيق الأهداف تعني أن تكون المخاطر عند أدنى مستوى لها.
تحقيق الأهداف يعني النهاية الإيجابية لكل الأفعال التي نقوم بها من أجل الوصول للهدف، فإذا كنت تسعى لتحقيق هدف 10 في المائة عوائد على الاستثمار، فإن ذلك لن يتحقق ما لم تقم بعدة تصرفات وأفعال وأن تكلل جميعها بالنجاح، كأن تقوم بشراء أسهم في شركة توزع أرباحا سنوية، وفي الوقت نفسه، لا يحدث تراجع في قيمة السهم في نهاية العام، هنا تأتي الثقة الزائفة، أو الساذجة التي نتوقع من خلالها أن نقوم بكل التصرفات الضرورية لتحقيق الهدف، ثم تنجح كلها ولا توجد عوائق ولا تحدث متغيرات، وهذا ما يقع فيه معظم المتحمسين للأسواق المالية الذين لم يدرسوا مفاهيم الحيطة والحذر التي تفرض علينا أن نتوقع حدوث تقلبات وتغيرات تجعل من الصعب علينا تحقيق الهدف بسهولة، هذه هي المخاطر. أحداث غير مواتية تعوق تحقيق الهدف. والسؤال الآن، هل يمكن تصور جهات ومؤسسات وشركات تمضي قدما في تحقيق أهدافها دون أن تقيس المخاطر أو تلقي لها بالا؟ وماذا نقول عن ثقة بهذا الحجم وعند هذا المستوى؟
عند تحديد الأهداف، لا بد حتما من تحديد مستوى الثقة في تحقيقها، وهذا كما قلت، لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال قياس المخاطر، فلا بد للجهات المختلفة والهيئات والأجهزة، والشركات بكل أنواعها أن تتبنى آليات قياس المخاطر، وهذا يتطلب تحديد واضح لكل الأحداث غير المواتية التي يمكن أن تقود للفشل في تحقيق الهدف، كل الأحداث بلا استثناء، وهذا يتطلب عصفا ذهنيا، وتركيزا عاليا، وكلما كانت الأهداف كبيرة وجب العمل بمهنية أكثر في قياس المخاطر، وقياس المخاطر سهل جدا من حيث المبدأ، فالأحداث المواتية لها احتمال حدوث ولها حجم تأثير. فاحتمال حدوثها مرتبط بقدرتنا على تتبعها واكتشافها، فإذا كنا لا نعرف ما هو الخطر ابتداء، فمن المستحيل علينا عمليا تتبعه واكتشافه قبل حدوثه، لكن إذا حددناه بشكل دقيق، استطعنا وضع إجراءات لمراقبته قبل حدوثه وبحجم هذه الإجراءات نستطيع أن نحدد احتمال حدوثه بدقة، وأما حجم تأثيره فذلك مرتبط بما نقوم به من إجراءات إذا وقع الخطر، كذلك فإن قدرتنا على التحمل تظل عاملا حاسما في بقاء الأهداف حية، حتى لو وقع الخطر.
وكنتيجة لكل ما سبق، فإن الإجراءات التي نقوم بها لترصد الخطر ومتابعته وفهمه وقراراتنا المعدة مسبقا لمواجهته، هي التي تجعلنا نثق في قدرتنا على تحقيق الأهداف. وأعجب كل العجب من منشآت قائمة، وعندما تحدثهم عن المخاطر، فكأنما تحدثهم عن الفشل، والأعجب؛ من يضع إجراءات للرقابة ونماذج عمل ومراجعة داخلية وخارجية، وهو لا يعرف للخطر معنى، ولا مفهوم له في قاموس العمل.
إنشرها