Author

فلسفة الانتقاد

|
لكل إنسان طبائعه الخاصة، منها ما هو فطري جبلي ومنها ما هو مكتسب من خلال الحياة التي عاشها ويعيشها الشخص والظروف المصاحبة، فهناك من عاش في بيئة نموذجية في أحضان أسرة واعية ومجتمع راق، وهناك من كانت نشأته مضطربة وفق المعطيات التي كانت تحيط به، فأثر ذلك في شخصيته وطباعه وسلوكه، ومن ضمن ذلك ما يعرف بالشخصية الناقدة التي اتخذت من توجيه سهام النقد للآخرين والانتقاص منهم ديدنا لها.
نعم، النقد الإيجابي وإبداء الملاحظات أمر مفيد ومطلب لا غبار عليه، لأنه يكون مدعاة لإصلاح خلل أو معالجة خطأ، ولكن وفق أسلوب صحي وسليم وبعقلانية وفي أمر يستدعي ذلك ودون تشهير بأحد، ويكون النقد للموضوع وليس للأشخاص وأن تختار الكلمات المناسبة والوقت المناسب، وأن يكون النقد في أمر يستحق ذلك فعلا وليس شهوة لممارسة النقد ليس إلا:

إذا كنت في كل الأمور معاتبا
صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحدا أو صل أخاك فإنه
مقارف ذنب مرة ومجانبه

وقد ورد في الحديث "من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه". إن كثرة ممارسة النقد، سواء من الوالدين لأبنائهم أو بين الزوجين تفسده قيمته، بل قد يكون لها تأثير عكسي يدفع إلى كراهية الناقد والإصرار على ما تم نقده، فاذا كانت النصيحة يراعى ألا تكون باستمرار كما قال ابن مسعود - رضي الله عنه، "إن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يتخولنا بالموعظة في الأيام كراهية السآمة علينا"، فكيف بالنقد الذي تنفر منه الأنفس.
إنه لمن الأهمية بمكان لمن أراد أن يمارس النقد أن يضبط إيقاعه ويرشد منه ويكون في حدود ما هو ضروري فقط، وأن ينتبه ألا يكون فيه ذلك العيب الذي ينقده:

وأجرأ من رأيت بظهر غيب
على عيب الرجال ذوو العيوب

إن النقد إما أن يكون بناء مبنيا على ود ورؤى علمية واقعية وإما أن يكون مبنيا على كره ومزاج متقلب، ففي الحالة الأولى، فإنه سيسهم في بناء مجتمع قوي متماسك، وإن كانت الأخرى فتأثيره سيكون سلبيا في محيطه ومجتمعه. إن من المفترض النظر إلى الجوانب المشرقة من الناس قبل البحث عن أخطائهم ونقدها.
إنشرها