Author

سرعة تعافي الاقتصاد وسلامة السياسات المالية

|
تتوالى النتائج الإيجابية تباعا على المستويات المالية والاقتصادية المحلية، التي سيسهم تحسنها فترة بعد فترة في تسريع وتيرة التعافي الاقتصادي المنشود، وانعكاسها إيجابيا على معدلات الأداء والنمو، كان من أبرز تلك النتائج ما تضمنه البيان التمهيدي لميزانية 2022، وتقديراته بارتفاع إجمالي الإيرادات الحكومية خلال العام المالي الجاري إلى 930 مليار ريال "قدرتها الموازنة الماضية بـ849 مليار ريال"، أي بنمو تصل نسبته إلى 19 في المائة مقارنة بإجمالي الإيرادات الحكومية خلال 2020، وارتفاع إجمالي النفقات الحكومية للعام الجاري نفسه إلى أعلى من 1.0 تريليون ريال "قدرتها الموازنة الماضية بـ 990 مليار ريال"، ونتيجة لذلك يقدر أن ينخفض العجز المالي إلى 85 مليار ريال "2.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي"، مقارنة بما كان تقديره في الموازنة الماضية عند مستوى 141 مليار ريال "4.9 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي".
حيث يمثل تسارع وتيرة تعافي كل من الأداء والنمو الاقتصادي عاملا مهما على طريق تحقيق المستهدفات المالية والاقتصادية خلال العام الجاري والأعوام المقبلة، وهو ما تظهره المؤشرات الأساسية، بفضل الله، التي تؤكد تصاعد وتيرة التعافي المستمر في أغلب الأنشطة الاقتصادية، وفي ظل التوقعات باستمراره على مستوى عديد من الأنشطة الاقتصادية بمعدلات أسرع، يقدر أن تتجاوز مستوياتها المسجلة خلال فترة ما قبل الجائحة العالمية. وجاءت تلك النتائج الإيجابية نتيجة مساهمة الجهود الحكومية التي تم اتخاذها بالتزامن مع تداعيات الجائحة، والحد من آثارها العكسية، وهو ما أسهم، بفضل الله، في انحسارها بشكل كبير ومبكر، على الرغم من استمرار التحديات العالمية في تحور الفيروس، وما تزامن معه من انتشار مستمر في كثير من الدول والاقتصادات حول العالم. وكانت حكومة المملكة قد وضعت للإنسان وسلامته، أولوية قصوى بالاعتماد على سن عديد من الإجراءات الاحترازية والتدابير الوقائية التي تكفل حمايته، وقامت بتوفير اللقاح لجميع المواطنين والمقيمين على حد سواء، ما أسهم بدوره في تحقيق المناعة المجتمعية اللازمة بنسب مرتفعة ولافتة عالميا، ولم تقتصر جهود المملكة في مواجهة الجائحة العالمية على المستوى المحلي، بل امتد دورها بصورة جلية على المستوى العالمي عبر دعمها ومساندتها المستمرين للجهود الدولية في التصدي للجائحة العالمية.
كما أسهمت مبادرات تحفيز الاقتصاد الوطني، ودعم القطاع الخاص، على وجه الخصوص، وفي مقدمة ذلك ما تم تقديمه من البنك المركزي السعودي من تسهيلات ومحفزات متنوعة وعديدة في سرعة استجابة الاقتصاد، حيث سجل الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بنهاية النصف الأول من العام الجاري معدل نمو حقيقي بلغ 5.4 في المائة، مدعوما بنمو الناتج المحلي الحقيقي للقطاع الخاص، الذي سجل بدوره نموا حقيقيا وصل إلى 7.5 في المائة، وحسبما تشير التوقعات بحلول نهاية العام الجاري، يتوقع أن يسجل الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نموا تصل نسبته إلى 2.6 في المائة، مدعوما من النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بمعدل 4.2 في المائة. وسيعتمد الاقتصاد بدرجة أكبر على طريق استعادة تعافيه ونموه مجددا، على استمرار التقدم في تنفيذ برامج ومشاريع تحقيق رؤية المملكة 2030، إضافة إلى التطوير المستمر للقطاعات الواعدة في الاقتصاد الوطني، وتسارع خطوات التقدم في تنفيذ عديد من المبادرات المعززة للاستثمار، وتحفيز ‏الصناعة والصادرات غير النفطية، وتزامنه مع جهود تخفيف القيود المفروضة مع انحسار الجائحة العالمية، والتقدم ‏المتسارع في توزيع اللقاحات، وتعافي الاقتصاد والطلب العالمي، والاستمرار في التنفيذ التدريجي للإصلاحات ‏الهيكلية في الأجل المتوسط ضمن الإطار العام لرؤية المملكة 2030، وبالاعتماد الرئيس على الدور الفاعل والمهم لصندوق الاستثمارات ‏العامة والصناديق التنموية، كل ذلك مجتمعا من شأنه المساهمة في دعم معدلات نمو الناتج المحلي غير النفطي.
وانطلاقا من الدور المحوري الذي تضطلع به السياسة المالية في الاقتصاد الوطني، يقدر أن يؤدي الانتعاش الملموس المتوقع للاقتصاد، إلى تحقيق عديد من النتائج الإيجابية في جانب الإيرادات المالية في الأجل المتوسط. حيث يتوقع أن يصل إجمالي الإيرادات الحكومية خلال العام المالي المقبل إلى نحو 903 مليارات ريال، ثم ارتفاعها إلى نحو 992 مليار ريال بنهاية العام المالي 2024، مستندة في كل ذلك إلى استمرار الحكومة في تنفيذ المبادرات والإصلاحات المالية اللازمة والمقررة، التي تستهدف تعزيز وتنمية مصادر الإيرادات غير النفطية، لضمان استدامتها واستقرارها طوال الأعوام المقبلة.
تستهدف السياسات المالية الحكومية المحافظة على الأسقف المعتمدة للنفقات في الأجل المتوسط، وفقا لما سبق إعلانه في الميزانية المالية السابقة، حيث يقدر أن يبلغ إجمالي النفقات الحكومية نحو 955 مليار ريال خلال العام المالي المقبل، وأن يستمر ضبط النفقات الحكومية بما لا يتجاوز سقف 951 مليار ريال بنهاية العام المالي 2024، وتأكيد المحافظة على مستويات الإنفاق الحكومي ضمن تلك المستويات المحددة والالتزام بها، وهو ما يعكس الدرجة العالية للالتزام بالأسقف والنهج المتبع في السياسات المالية الهادفة إلى رفع كفاءة الإنفاق، وتطوير فاعلية الإنفاق الاجتماعي، إلى جانب إعادة ترتيب الأولويات بناء على التطورات والمستجدات بما يتناسب مع متطلبات الفترة، إضافة إلى استمرار الإنفاق على المشاريع التنموية الكبرى، وبرامج تحقيق "الرؤية" وصولا إلى تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، والعمل المستمر على فتح وإتاحة مزيد من الفرص المجدية أمام القطاع الخاص على طريق قيادة الفرص الاستثمارية، والاستمرار في خصخصة بعض الأصول والخدمات الحكومية، وتطوير مشاريع تطوير البنى التحتية، ومساهمة صناديق التنمية الوطنية، من خلال التوسع في تمويل القطاع الخاص واستثمارات صندوق الاستثمارات العامة.
أخيرا على مستوى إدارة الدين الحكومي، تم التأكيد على استمرار التنسيق بين كل من وزارة المالية والمركز الوطني لإدارة الدين، بإعداد الخطة السنوية للاقتراض الهادفة إلى تلبية الاحتياجات التمويلية في إطار استراتيجية متوسطة الأجل للدين العام، التي تتوقع ألا يتجاوز رصيد الدين العام بنهاية العام المالي المقبل سقف 989 مليار ريال "31.3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي"، وتوقعات ثباته في الأجل المتوسط عند تلك المستويات، نتيجة التوقعات المتحفظة بتحقيق فوائض في الميزانية العامة بدءا من العام المالي 2023، بمشيئة الله تعالى، وتوجيه الإصدارات نحو سداد الدين والمحافظة على معدلات مناسبة من الاحتياطيات الحكومية، التي ستسهم بدورها في تعزيز قدرة المملكة على التعامل مع أي صدمات محتملة مستقبلا، إضافة إلى استهداف السياسة المالية لتعزيز الاحتياطيات الحكومية لدى البنك المركزي.
وفي جانب آخر، يقدر ألا يتجاوز عجز الميزانية نسبة 1.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية العام المالي المقبل، وأن يتم تحقيق فوائض في الميزانية العامة بدءا من العام المالي 2023، وكل ذلك سيتم بالتزامن مع استمرار جهود الحكومة على مستوى رفع كفاءة الإنفاق، وتعزيز دور القطاع الخاص من خلال زيادة مشاركة صندوق الاستثمارات العامة والصناديق التنموية في الإنفاق الرأسمالي، والمساهمة في تنمية وتنويع قاعدة إنتاج الاقتصاد الوطني.
إنشرها