مفاجأة! سلسلة كتل المعلومات "بلوك تشين" هي أكثر من مجرد الدخول في عالم العملات المشفرة لتحقيق ربح 500 في المائة أو خسارة كل مدخراتك. في الواقع، هذا التصور لا ينصف هذه التقنية المذهلة التي تتمتع بتطبيقات أوسع بكثير.
لكن ما هو "البلوك تشين"؟ "فلو بانك" FLOWBANK، اسم كبير بين المصارف السويسرية المتخصصة في العالم الرقمي - تطورات التقنية الرقمية، التجارة الرقمية، الاستثمار ... وغيرها، من هذا المصرف، حصلت "الاقتصادية" على معلومات توضح طبيعة الميادين غير المحدودة لتطبيقات هذه التقنية.
"بلوك تشين" في الأساس هو قاعدة بيانات ضخمة يكون الوصول إليها شفافا تماما. إنه "دفتر أستاذ رقمي" حيث يتم تسجيل كل معاملة وتوزيعها عبر شبكة كاملة. في كل مرة يتم فيها إجراء معاملة، يتم إضافتها إلى كتلة. ثم يتم تسجيل هذه الكتلة باستخدام توقيع تشفير غير قابل للتغيير. مثال: إذا أعطى (أ) خمسة دولارات إلى (ب)، فسيتم إدخال المعاملة في سجل الاثنين، وكذلك في سجلات (ج) و(د) و(هـ) ... وكل من هو في دفتر الأستاذ العام، حتى إن لم تكن له علاقة بقرض الخمسة دولارات هذه.
نظرا لأن كل شخص لديه حق الوصول إلى دفتر الأستاذ العام نفسه، فلا يمكن تغيير الكتلة بسهولة، حيث يتطلب التغيير إجماع كل مستخدم. إذا قالت إحدى الكتل في السلسلة ـ إحدى الكتل هنا (أ) أو (ب) أو (ج) أو (د) ... إلخ - إن (أ) أعطى (ب) أربعة دولارات وليس خمسة دولارات، فسيكون من السهل التحقق من صحة هذا القول من ملايين الكتل الأخرى المسجلة في دفتر الأستاذ العام لمعرفة أيها خاطئ. إذا أراد أحد المتطفلين إفساد النظام، فسيضطر إلى تعديل كل كتلة في السلسلة، في جميع الإصدارات الموزعة على المستخدمين - وهو اختراق مكلف للغاية، حيث تبدو المكافأة بعيدة عن المخاطر. بالتالي، فإن النظام شفاف للغاية وآمن للغاية.
لكن في أي شيء يمكن استخدام هذه التقنية؟ يجيب "الاقتصادية"، مارتن بوجول، من مصرف "فلو بانك" FlowBank، عن تطبيقات "بلوك تشين" العشرة الرئيسة.
التحويلات المالية والمدفوعات
مع وجود بيتكوين على رأس العملات المشفرة، سرعان ما تم استخدام "بلوك تشين" كوسيلة لتحويل العملة. مع هذه التقنية، التي تتيح إنجاز المعاملات في ثوان، يمكن استبدال الأموال أو تحويلها بمعدل لا يتجاوز ثانيتين وبأقل التكاليف. يقول، بوجول: من خلال القضاء على الوسطاء المكتبيين وتقليل رسوم الطرف الثالث، يمكن أن توفر "بلوك تشين" للمؤسسات المالية الكبيرة ما بين 8 و12 مليار دولار سنويا.
هناك "تحليل بلوك تشين" وهو عملية فحص، وتحديد، وتجميع، ونمذجة، وتمثيل البيانات بصريا على دفتر الأستاذ المشفر. الهدف من التحليل هو اكتشاف الجهات الفاعلة المختلفة التي تتعامل في العملة المشفرة لمساعدة المؤسسات المالية على مراقبة تبادل هذه العملات، وربما اكتشاف معاملات احتيالية وانتهاكات الامتثال بسرعة وتنبيه العملاء عند ظهور مشكلة. في الأغلب ما يتم إجراء تحليل سلاسل الكتل العامة مثل البيتكوين والإيثريوم بوساطة شركات خاصة.
العقود الذكية
إحدى أكثر الميزات في "بلوك تشين" هي "العقود الذكية". إنها مثل العقود الورقية، باستثناء أن القواعد مضمنة في شفرات الحاسوب، ويتم تطبيقها في الوقت الفعلي على "بلوك تشين".
مثال: في حالة عقد الإيجار، يتم الاحتفاظ بمبلغ من المال على "بلوك تشين" لدفع تعويضات محتملة عن أضرار قد يلحقها المؤجر في المبنى.
في العقد التقليدي يوجد المالك والمؤجر والمحكم في حالة الخلاف. لنفترض أنه عند تسليم المبنى، تكون هناك حاجة إلى الإصلاحات، لكن المستأجر لا يريد دفع ثمنها.
هنا يكون المبلغ متنازعا عليه، من جانب المستأجر الذي يريده في جيبه، والمالك الذي يريد تمويل إصلاح الضرر. الآن، كلاهما لديه مفتاح للوصول إلى المبلغ المؤمن عليه، ومفتاح ثالث لدى المحكم. في حالة تشفير العقد بطريقة تتطلب مفتاحين على الأقل لتوزيع المبلغ بطريقة أو بأخرى، يمكن للمحكم الحكم على الضرر واستخدام مفتاحه في الاتجاه الصحيح، حيث تذهب الأموال إلى حيث ينبغي أن يذهب إليها دون تكبد رسوم قانونية إضافية أو ديون لم تتحقق.
إنترنت الأشياء
يحتوي إنترنت الأشياء على ملايين التطبيقات، حيث تصبح الأجهزة أكثر ذكاء واتصالا. رغم ذلك، فهي أيضا فرصة للمتسللين لسرقة البيانات، سواء كانت تخصك (أنت) أو ثلاجتك أو سيارتك. أما تقنية "بلوك تشين"، فتساعد على ضمان الحفاظ على البيانات آمنة لا يمكن الوصول إليها إلا من قبل المستخدم أو الجهات الخارجية المصرح لها.
هوية رقمية
إثبات هويتك والاحتفاظ بها لنفسك قد يفرض في بعض الأحيان تحديا حقيقيا. يقع ملايين الأشخاص كل عام ضحية لسرقة الهوية أو الاحتيال. لكن المشكلة أكبر: في جميع أنحاء العالم، يواجه أكثر من مليار شخص صعوبات في التعرف على هويتهم والحفاظ عليها. إن القدرة على إنشاء دفتر الأستاذ بهوية رقمية لكل مواطن في العالم من شأنه تمكين المستخدمين والسماح للجميع بالوصول، على سبيل المثال، إلى الخدمات المالية.
نظام "بلوك تشين" يخزن المعلومات حول الأفراد ويسمح لهم بمشاركتها مع من يريدون. باختصار، هم وسيط بين الفرد والكيان الذي يسعى إلى الحصول على المعلومات.
الصحة
ربما يكون قطاع الرعاية الصحية أحد القطاعات التي يمكن فيها القضاء على معظم أوجه القصور. يمكن أن يؤدي توفير قاعدة بيانات آمنة بقواعد واضحة حول المعلومات التي يمكن مشاركتها - ومع من - إلى تسريع العمليات وتقليل التكاليف بشكل كبير. في الواقع، تتمثل إحدى المشكلات الرئيسة في الرعاية الصحية في تجزئة البيانات بين عديد من مقدمي الخدمات والمستشفيات. يقدم "بلوك تشين" حلا في شكل نظام السجلات الطبية القائم على نظامه. ذلك يضمن أن يكون الملف مكتملا ومحدثا على الدوام، ولا يمكن الوصول إليه إلا للأشخاص المصرح لهم، سواء كانوا مرضى أو أطباء أو صيادلة أو غيرهم من المتخصصين في الرعاية الصحية.
خدمات الإمداد ومراقبة سلسلة التوريد
يمكن أن تستفيد خدمات الإمداد (الخدمات اللوجستية) بشكل كبير من مساعدة "بلوك تشين". في الواقع، إحدى أكبر المشكلات في هذا القطاع هو الافتقار إلى التواصل والشفافية، سواء داخل الشركة أو بين مقدمي الخدمات المختلفين. هناك مئات الآلاف من شركات الشحن حول العالم، ما يؤدي إلى اختناقات وفقدان متكرر للمعلومات. يمكن أن تتيح تقنية "بلوك تشين" التحديد الدقيق للعناصر في سلسلة التوريد، ما يلغي الحاجة إلى نقل المعلومات الورقية. بالاقتران مع إنترنت الأشياء، يمكنه تتبع كل عنصر مع تقييم حالته وجودته في الوقت الفعلي. لن يكون هذا أكثر أمانا وسلاسة وأتمتة فحسب، بل سيوفر بالتالي مليارات الدولارات في الصناعة. بعض شركات خدمات الإمداد الكبيرة، قد انتقلت بالفعل إلى "بلوك تشين". تحتفظ الشركة بسجل رقمي للشحن وتسجل كل معاملة، ما يضمن مزيدا من إمكانية التتبع والشفافية وأتمتة أكبر للعمليات.
الترميز
هناك نظام "الرموز غير القابلة للاستبدال" أو "Non-fungibles Tokens - NFTs"، بمعنى أن المواد الرقمية الفريدة التي تباع على "بلوك تشين"، من المستحيل تكرارها. بفضل "بلوك تشين"، يمكن للمستخدمين شراء محتوى رقمي فريد (لوحة، قطعة موسيقية، تحفة فنية...) والحصول على إثبات الملكية الذي يمنحها قيمة تجارية.
بسبب ندرة NFTs، يمكن أن تأخذ القطعة المسجلة قيما هائلة، حيث تم بيع لوحة "أول 5000 يوم The First 5000 Days" للفنان الأمريكي المعاصر، بيبل، في المزاد العلني بوساطة دار "كريستيز" في آذار (مارس) الماضي بقيمة 69 مليون دولار – "الاقتصادية" 24 يوليو 2021.
المرافق الحكومية والتصويت الرقمي
في حين أن بعض الحكومات تشعر بالقلق من أن السيطرة قد تفلت من أيديها، فإن "بلوك تشين" يمكن أن يساعد عديدا من الدول على العمل بسلاسة أكبر. إلى جانب تأمين المستندات وتحسين الكفاءة المكتبية والمساءلة وبالتالي تخفيف العبء المالي، إذ يمكن لـ"بلوك تشين" أن يزيل أيضا ملايين الساعات من العمل غير الفعال كل عام من خلال العقود الذكية والسجل العام الشفاف.
وسائل الإعلام وحقوق التأليف والنشر
اليوم، أصبح من الصعب فرض حماية حقوق النشر على الوسائط الرقمية مثل الموسيقى والأفلام. يمكن أن يكون "بلوك تشين" حلا جيدا لتنزيلات المحتوى الرقمي لضمان حصول الفنانين ومنشئي المحتوى على نصيبهم العادل من التعويض كما يجعل القرصنة شبه مستحيلة. أحد الأمثلة على ذلك هو مبادرة "الموسيقى المفتوحة"، وهي منظمة غير ربحية مقرها بوسطن أنشأت نظاما لتحديد المبدعين الأصليين وأصحاب حقوق الموسيقى. من خلال إسناد البيانات إلى "بلوك تشين"، يسهل على الفنانين التعرف على عملهم ودفع أجرهم وفقا لذلك.
من أجل البيئة
يمكن استخدام "بلوك تشين" لإنقاذ الكوكب، إذ إن هناك عديدا من المشاريع الخضراء الناشئة القائمة على "بلوك تشين" تعمل على تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون.
مثال على ذلك شركة "Single.Earth" الناشئة، وهي شركة تدر دخلا من الأشجار دون قطعها. بمعنى آخر، هي عبارة عن منصة رقمية تربط مالكي الأراضي والشركات، تكون للأخيرة الفرصة لتعويض انبعاثاتها من الكربون، وما يترتب على ذلك من دفع رسوم ضريبية باهظة، بالدفع لأصحاب الأراضي للحفاظ على غاباتهم وأعمالهم. هذه طريقة غير مباشرة للشركات لموازنة بصمتها الكربونية من أجل تحقيق الحياد في نهاية المطاف. هكذا تعمل منصة "Single.Earth" على تحويل الفوائد البيئية للأشجار، مثل امتصاص ثاني أكسيد الكربون، إلى أصول قابلة للتداول. يعطي هذا مالكي الأراضي حافزا لحماية البيئة، لأنهم يحصلون على أموال مقابل ذلك.
يقول، مارتن بوجول، إن تقنية "بلوك تشين" قابلة للتطبيق في عديد من المجالات، تتجاوز مجرد المضاربة بالعملات المشفرة. لكنه يضيف: على الرغم من أن "بلوك تشين" لا يمكنه حل جميع المشكلات، إلا أن هذه التقنية مستمرة في تقديم حلول مبتكرة جديدة في عديد من المجالات.


