Author

تعقيدات كبيرة بين واشنطن وبكين

|
"الاتفاقية التجارية مع الصين ليست مدروسة"
جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية

كان واضحا أن الاتفاقية التجارية الأمريكية - الصينية التي وقعت مطلع 2020، لن تحقق غاياتها، ولا سيما في ظل إدارة الرئيس دونالد ترمب؛ الذي وقف بشراسة ضد أي توجه صيني على الساحة الاقتصادية، مستندا إلى الفجوات و"المخالفات" في هذا التوجه. الغريب في هذه الاتفاقية، أنها تمت في عهد ترمب؛ والأغرب أنها لم توقف الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. صحيح أن الأمور هدأت بعض الشيء بين الطرفين في تلك الفترة، إلا أن "محركات" الأزمات ظلت تعمل على الجانبين. وهذه الاتفاقية على الرغم من أنها جاءت ضمن سياق ارتجالي نوعا ما، إلا أن مضامينها عميقة، وخصوصا فيما يتعلق بممارسات الصين التجارية، والالتزام بحماية الملكية الفكرية والابتكار، مع تعهد بكين بشراء بضائع أمريكية بقيمة 200 مليار دولار خلال عامين.
لم تركز إدارة ترمب كثيرا على الخلافات السياسية مع الصين، ولا سيما تلك المرتبطة بالأقليات، وهونج كونج وتايوان، ناهيك عن التمدد الصيني الواضح عسكريا في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. فالولايات المتحدة في ظل الإدارة السابقة، لم تكن تشغلها إلا مسألة التجاوزات الاقتصادية للصين، وقضايا الإغراق، واتهامات تتعلق بخفض قيمة اليوان الصيني، وسرقات الملكية الفكرية. الأمر بات مختلفا مع إدارة الرئيس جو بايدن. فهذه الأخيرة تجمع كل الخلافات مع بعضها بعضا وتضعها على الطاولة مع المسؤولين الصينيين، أضف إلى ذلك، أن الإدارة الحالية تحركت منذ اليوم الأول لوجودها في البيت الأبيض، لإعادة رص صفوف الدول الحليفة لمواجهة الصين في كل الساحات. وقد نجحت بالفعل في هذا المسعى، بصرف النظر عن الخلاف الأخير الذي وقع بين الولايات المتحدة وفرنسا بشأن صفقة الغواصات الأسترالية.
التشكيك في الاتفاقية التجارية التي وقعها ترمب مع الصين، يأتي من وزيرة الخزانة الحالية جانيت يلين؛ لأن هذه الاتفاقية "فشلت في معالجة الخلافات الأكثر إلحاحا بين الدولتين". وهذا صحيح إلى حد بعيد، حتى إن التعريفات الجمركية التي لا تزال سارية بين الجانبين أصابت المستهلكين الأمريكيين بأضرار. هذا الموقف، عزز في الواقع مراجعة الرئيس بايدن للعلاقة مع الصين برمتها، وليس فقط الجانب الاقتصادي منها. فالتعريفات الجمركية، وفق رؤية واشنطن، لم تفرض على الصين بطريقة مدروسة تماما. وهذه الرسوم التي تبلغ نحو 360 مليار دولار من الواردات الصينية لا تزال معلقة؛ ما يجعل اتفاقية ترمب مع بكين غير واضحة بالفعل، خصوصا أن الإدارة الأمريكية الحالية لم تفصح عن مضامينها حتى اليوم. وفي كل الأحوال، صارت التوجهات أكثر اختلافا الآن مما كانت في فترة وجود الجمهوريين في البيت الأبيض، مع مخططات موضوعة مبكرة من جانب بايدن؛ لمواجهة بكين في كل الميادين. قبل أيام انتقدت الحكومة الصينية حكم منظمة التجارة العالمية في نزاع مع الولايات المتحدة، بشأن إجراءات تتخذها واشنطن للحد من استيراد خلايا الألواح الشمسية. ومضت المنظمة أبعد من ذلك، برفضها أربع دعاوى قدمتها الصين ضد التدابير الأمريكية. وبالطبع أسرعت الإدارة الأمريكية لربط تدابيرها، ليس فقط بالجانب الاقتصادي، بل بجهة حقوق الإنسان، وذلك من خلال الحملات القمعية التي تقوم بها السلطات الصينية ضد الأقليات بشكل عام. والسوق الأمريكية تعد الساحة الأهم للصين في مجال توريد المكونات المستخدمة في صناعة الألواح الشمسية. وتدابير الولايات المتحدة تشمل أيضا سلعا أخرى من الصين، الأمر الذي يوسع دائرة المواجهة التجارية بين واشنطن وبكين، ويجعلها مساوية من حيث شراستها، لتلك التي كانت سائدة في عهد دونالد ترمب. ستطعن الصين بالطبع في قرار منظمة التجارة العالمية، إلا أن ذلك لا يقلل من النصر الذي حققته الولايات المتحدة، خصوصا أن الطعن يستغرق عادة في هذه المؤسسة وقتا طويلا للغاية.
لكن مسألة الألواح الشمسية لا تعد شيئا محوريا في الخلاف الأشمل، الذي يضم القوى الغربية الأخرى، وتحديدا الاتحاد الأوروبي وكندا. ففي آذار (مارس) الماضي فرضت إدارة بايدن عقوبات على كبار المسؤولين الصينيين، بالتعاون مع القوى المشار إليها، لمعاقبة بكين على انتهاكات حقوق الإنسان على أراضيها، بما في ذلك العمل الجبري على شرائح من الصينيين أنفسهم. لكن حتى هذا يمكن الالتفاف حوله من قبل بكين، ويبقى الجانب المتعلق بالتمدد الصيني في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، والوجود العسكري الذي يتسع هنا وهناك في تلك المنطقة. والمشكلة هنا، أن اللقاءات والاتصالات التي جرت بين الأمريكيين والصينيين، لم تحقق إنجازا واحدا منذ بلوغ بايدن البيت الأبيض، الأمر الذي شكل صدمة حقيقية للحكومة الصينية التي كانت تتوقع انفراجا سريعا برحيل ترمب عن الحكم.
من هنا، لا توجد مؤشرات عملية وواقعية تدل على أن انفراجا قادما بين الطرفين في المستقبل القريب. فالصينيون لم يتعاونوا مع الأمريكيين والحلفاء الغربيين عموما، في مسألة مطالبهم من بكين. أما الجانب الغربي، فلم يتراجع عن مواقفه، ولا سيما بوصول إدارة أمريكية إلى الحكم في الولايات المتحدة، تستكمل جهودها لإعادة زخم التحالف الغربي إلى سابق عهده، لمواجهة الصين ومعها روسيا.
إنشرها