Author

وكالات السيارات والمنافسة التي لا نرى آثارها

|
في موقع التواصل الاجتماعي "تويتر"، نشر إعلان لوكيل إحدى السيارات في دولة شقيقة يحذر من شراء السيارات من وكالته وتصديرها خارج الدولة، ودون الخوض في الشأن القانوني لهذا الإعلان، إلا أنه يقدم مؤشرات لا حصر لها عن حالة التنافسية، والاتفاقيات الضمنية بين الوكلاء، ونظرا إلى أهمية هذا الإعلان وتأثيره التنافسي؛ أكتب هذا المقال.
من المهم فهم لماذا جاءت الاتفاقيات الدولية بشأن التجارة العالمية، لقد فهم العالم بعد الرحلة الطويلة في علم الاقتصاد منذ نشأته في القرن الـ17، أن المنافسة هي الضمانة الأساسية للحصول على السلع عند مستويات جودة معينة بأقل سعر يحقق التوازن بين العرض والطلب. ولأن الاقتصاد لا يعرف الحدود، فهو يحقق توازنه دائما حتى على المستويين الدولي والإقليمي، فالسلع تتدفق بين الدول بناء على الأسعار والطلب، فإذا كانت الأسعار في دولة أعلى منها في أخرى، أو في إقليم أعلى منها في الآخر، فإن السلع تتجه إلى الدول والأقاليم الأكثر سعرا، وقد تكون الأسباب في اختلاف الأسعار، هي زيادة الطلب في منطقة عن أخرى، وشح في السلعة المطلوبة، فتدفق السلع يحقق التوازن من حيث وصولها إلى مناطق الطلب القوية حتى تصبح متوافرة كما ونوعا، مثلما هي في الإقليم المصدر لها، وتصبح الأسعار متوازنة مرة أخرى.
بهذه الخاصية لا مجال واسع لأي شركة في أي مكان - مهما كان نائيا - من تحقيق أرباح غير عادية، بل تصبح الفروق في الأسعار تعكس التكاليف الإضافية للنقل والضرائب والرسوم وتبقي هوامش الربح، ولكي تبقى المنافسة بين دول العالم في قدرة مصانعها على تحقيق وفر حقيقي في التكاليف بما يمنحها ميزة تنافسية على المنتجات الأخرى، هذا هو ما يبحث عنه الاقتصاد فعليا.
فبهذه الطريقة وحدها، يمكن تحقيق توفير في الموارد وكفاءة في الإنفاق مع جودة أعلى وسعر أقل، وستخرج من الأسواق كل المصانع والصناعات التي تفشل في تحقيق هذه المستويات، وهنا نفهم الصراع الدائر بين الولايات المتحدة والصين. ولضمان عدم حدوث تلاعب في الاقتصاد العالمي من جانب أي دولة، فإن الاتفاقيات تمنع وسائل مثل الإغراق والحمائية وتشجع على فتح الأسواق.
هكذا هي الآليات السليمة للاقتصاد، فإذا ارتفعت الأسعار في منطقة أو بلد بسبب كثافة الطلب وعجز العرض، اتجهت إليها الشركات العالمية للاستفادة من الفرصة قبل عودة الأسواق للتوازن مرة أخرى، لكن إذا كانت هناك حمائية تمنع من دخول السوق، فإن الدولة تحاول بذلك حماية مصانعها على حساب الجودة والمنافسة، وهذا ما تمنعه الاتفاقية الدولية أو تحد منه، في هذا الواقع، فإن وجود ارتفاع في أسعار السلع في الداخل كمثل ارتفاع أسعار السيارات مثلا، بينما هي أقل في دول مجاورة، يعطي مؤشرات على مشكلات في العرض قد تكون مفتعلة أو حقيقية ومع وجود إعلانات في دول مجاورة تحذر من التصدير، فإن هذا قد يوحي بوجود خلل في المنافسة تجب دراسته ومعالجته بسرعة.
فالمنافسة يجب أن تكون آثارها واضحة في كميات السلع وفي أسعارها، ومن المؤسف له أن تجد اتهامات بالإغراق لعدد من الشركات الوطنية في دول أجنبية، لأن مقارنة الأسعار هناك بالأسعار هنا تعكس مثل هذه الحالة، إذن، كيف تكون الأسعار في الدولة الأجنبية أقل منها في دولة المنشأ على الرغم من أن تكاليف التصدير والشحن والرسوم لا حصر لها؟، السبب بسيط، وهو أن الأسعار في المنشأ غير تنافسية، وهذا يجعل المنافسة لا أثر لها رغم تعدد المنشآت وكثرتها.
لكن، ما السبب في وجود المنافسة شكلا وغياب تأثيرها فعلا؟، السبب هو التراكم الرأسمالي، وهو أحد أسباب مشكلة عدم التساوي Inequality، التي تعد أصعب مشكلة اقتصادية حاليا، فالسابقة التي تحققت لعديد من الشركات والوكالات وربحها الكبير والتدفقات النقدية التي سبق وحصلت عليها في أوقات كانت تسيطر على الأسواق وتحتكر الوكالات، قد مكنتها من السيطرة على كل الفرص الجديدة التي أنتجتها التطورات الاقتصادية والتنظيمية، وقد تحقق هذا باسمها مباشرة من خلال إنشاء شركة أم وشركات تابعة مملوكة بالكامل للشركة الأم، أو توسعة الحصص في السوق أو من خلال فتح وإنشاء شركات شقيقة مملوكة بالكامل للشركاء نفسها في النشاط نفسه لمنع المنافسين من الدخول إلى السوق من خلال الإيهام بتشبع السوق بالموردين، كمثل عدة شركات في قطاع معين، بينما هي بالكامل مملوكة للشركة الأم نفسها، كل هذا من مظاهر التراكم الرأسمالي، وهو من العوامل غير المحفزة للتنافسية وتسبب احتكارات خفية وسيطرة على الأسعار مع انخفاض الجودة.
إنشرها