Author

الطريق إلى العدالة السعرية للأراضي والعقار

|
أظهرت المتوسطات السعرية للأراضي والعقارات السكنية طوال أكثر من عام مضى، معدلات نمو غير مسبوقة خلال فترة وجيزة، وحسبما وثقته البيانات العقارية عبر المؤشرات المنشورة على موقع وزارة العدل حتى نهاية الأسبوع الماضي، سجل المتوسط العام لأسعار الأراضي السكنية على مستوى المملكة خلال الربع الثالث "حتى 23 أيلول (سبتمبر) 2021"، نموا سنويا وصل إلى 34.1 في المائة، وسجل المتوسط العام لأسعار الشقق السكنية للفترة نفسها نموا سنويا وصل إلى 18.4 في المائة، فيما سجل المتوسط العام لأسعار الفلل السكنية عن الفترة نفسها نموا سنويا بلغ 15.8 في المائة، ووصل متوسط الأسعار في السوق العقارية المحلية على مستوى العموم إلى مستويات مرتفعة جدا، عدت بعيدة عن قدرة كثير من الباحثين على تملك أراض أو وحدات سكنية، وهو الأمر الذي أصبح ملموسا من الجميع سواء المتعاملين من ملاك الأراضي والمطورين العقاريين، أو من المجتمع الاستهلاكي وهو الطرف المتضرر بالتأكيد من التضخم الراهن في الأسعار السوقية للأراضي والعقارات على حد سواء.
وكما سبق إيضاحه في مقالات وتقارير أخيرة، جاءت تلك الارتفاعات السعرية المسجلة على مستوى مختلف الأصول العقارية السكنية، التي شهدت انطلاقتها السعرية للأعلى بصورة لافتة مع مطلع 2019، كاستجابة مباشرة لتزايد وتيرة ضخ القروض العقارية الممنوحة للأفراد طوال تلك الفترة الماضية، التي وصل حجمها منذ كانون الثاني (يناير) 2019 حتى نهاية تموز (يوليو) 2021 إلى أعلى من 308 مليارات ريال، أي بما تجاوزت نسبته 95.3 في المائة من إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني (323.1 مليار ريال) خلال الفترة نفسها، وأسهمت بدورها تلك القروض العقارية في الدفع بقوى الطلب على الأراضي والوحدات السكنية نحو تنفيذ نحو 647 ألف عقد تمويل عقاري، كانت كفيلة بتحفيز جانب العرض على زيادة الأسعار السوقية، والاستفادة القصوى من الإقبال المجتمعي على تملك الوحدات السكنية المدعوم بتيسير الحصول على التمويل اللازم، والمدعوم أيضا على مستوى تحمل أجزاء كبيرة من الفوائد البنكية المحتسبة على تلك القروض العقارية.
في المقابل، وتزامنا مع تلك الفترة نفسها، لم تشهد السوق العقارية المحلية تحركا مماثلا من حيث السرعة على مستوى تطبيق المراحل التنفيذية لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء في المدن والمحافظات، الذي اكتفى بتطبيق المرحلة الأولى من النظام في أربع مدن فقط (الرياض، جدة، الدمام، مكة المكرمة) طوال الأعوام الماضية، ولا تزال أوضاع التنفيذ حتى تاريخه عند نقطة ما تم الإعلان عنه قبل أكثر من عام من تاريخه في شأن بقية المراحل التنفيذية التالية، الذي تضمن الإعلان عن البدء بتنفيذ المرحلة الثانية من النظام في كل من الرياض وجدة والدمام قبل نهاية العام الجاري، ولم يصدر حتى تاريخه أي إعلان إلحاقي عما تم في هذا الشأن من تطورات أو إجراءات، كما تضمن الإعلان السابق خلال العام الماضي عن بدء تنفيذ المرحلة الأولى من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء في 17 مدينة إضافية أخرى، وصدر في خصوصه عديد من الإعلانات المتتالية عن الإجراءات التي تمت، وأن إجراءات استكمال التنفيذ تسير وفق مراحلها الزمنية المعتادة، وهذا بالتأكيد يعد أمرا إيجابيا بالنسبة للمدن التي تم الإعلان عن بدء التطبيق فيها، ويؤمل أن تسهم تلك الإجراءات في كبح الارتفاعات المطردة في أسعار الأراضي والعقارات الموجودة في تلك المدن والمحافظات.
إنما يعد التحدي الأكبر كامنا في المدن الرئيسة، التي شهدت ولا تزال ارتفاعات مطردة في الأسعار، ويؤمل أن تأخذ الإجراءات المرتبطة بتنفيذ بقية مراحل نظام الرسوم على الأراضي البيضاء فيها وتيرة أسرع مما هو قائم الآن، والوصول بها إلى المستوى الأعلى فعالية وكفاءة اللازم لكبح التضخم الراهن في الأسعار، والعمل في الأجلين المتوسط والطويل على إعادتها إلى مستوياتها العادلة سعريا، وبما يتلاءم مع قدرة الأفراد والأسر من حيث الدخل، وهو الهدف المرحلي الذي أصبح واجبا تحققه ضمن برنامج التحول الوطني 2020، ممثلا في خفض مكرر متوسط سعر الوحدة السكنية إلى إجمالي دخل الفرد السنوي من عشر مرات إلى خمس مرات. وكما هو قائم الآن بموجب المؤشرات العقارية المنشورة عبر موقع وزارة العدل بصورة منتظمة، فإن متوسط الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية يفوق تلك المستهدفات، ما يؤكد الأهمية القصوى لاستكمال تنفيذ جميع الأدوات الكفيلة بتحقيق العدالة السعرية للأصول العقارية السكنية على وجه الخصوص، التي يأتي في مقدمتها استكمال جميع المراحل التنفيذية لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، وتمكين النظام - حال تنفيذه بصورة كاملة - من تحقيق أهدافه الثلاثة الرئيسة، المتمثلة في: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية.
ختاما، يوجد عديد من المحاور والعوامل الأخرى، التي أسهمت ولا تزال في الارتفاع المطرد لأسعار مختلف الأصول العقارية، وقد سبق تناولها بكثير من الحديث والتحليل من قبل المختصين في الشأن العقاري، وتحظى بأهمية عالية بكل تأكيد، سواء من حيث تأثيرها في الأسعار بالارتفاع أو من حيث الحلول والمقترحات الموضوعة لأجلها، إلا أن الوزن النسبي الكبير الذي يشكله عنصر الأرض في مجمل تكلفة الوحدة السكنية (65 إلى 75 في المائة من إجمالي التكلفة)، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك الأهمية القصوى لنظام الرسوم على الأراضي، التي تحولت طوال الأعوام الطويلة الماضية إلى عنصر للاكتناز أو الاحتكار والمضاربة أكثر من توظيفها للاستخدام والبناء والتشييد، وتركز تلك التعاملات العقارية بين ملاك الأراضي والمضاربين في السوق، أكثر من المستهلكين النهائيين الباحثين عن التملك والسكن فقط، وهنا تكمن أهمية استكمال تنفيذ جميع مراحل النظام، التي ستعمل على تفتيت عمليات الاكتناز والاحتكار والمضاربة على الأراضي، ومن ثم المساهمة في توازن الأسعار وتحقق استقرارها عند مستويات عادلة، وهو الأمر الذي سيلبي بدوره احتياجات الاقتصاد الوطني ومتطلبات المجتمع دون تكاليف مرتفعة، ودون الحاجة إلى اقتراض أحجام كبيرة من الأموال اللازمة، وبما يحد في الأجلين المتوسط والطويل من الآثار العكسية في الاقتصاد والتنمية لتلك القروض المرتفع حجمها، إضافة إلى أقساط سدادها المكلفة.
إنشرها