Author

أسئلة حول التحالف الاستراتيجي الغربي

|
"لسنا بحاجة إلى استدعاء سفيرنا من لندن. بريطانيا ليست سوى عجلة احتياطية للعربة"
جان إيف لودريان، وزير خارجية فرنسا
يرغب الرئيس الأمريكي جو بايدن؛ في الاعتقاد أن الأزمة مع فرنسا انتهت، وأن ما حدث قبل أسبوعين تقريبا ليس سوى "زوبعة في فنجان"، وأن "الجبهة" الغربية ستكون متماسكة أكثر بوجود فرنسا في قلبها. ويجب الاعتقاد أيضا، أن الخلافات حول صفقة عسكرية بصرف النظر عن حجمها، لا يمكن أن تزيل القواسم المشتركة بين الحلفاء الذين قاتلوا في حربين عالميتين جنبا إلى جنب، وخاضوا معارك متعددة لا تزال تجري بشكل أو بآخر في هذه المنطقة أو تلك. ومفهوم بايدن للعلاقة مع باريس، هو بحد ذاته كان سببا صادما عند المسؤولين الفرنسيين، بعد أن قررت واشنطن أن تسحب صفقة الغواصات الضخمة من فرنسا، التي أبرمتها مع أستراليا في 2016، وتصل قيمتها إلى 66 مليار دولار. وماذا فعلت أيضا؟ أدخلت بريطانيا في الصفقة الجديدة؛ بل أسست تحالفا استراتيجيا جديدا مع كل من كانبيرا ولندن تحت اسم "أوكوس".
أسرع الرئيس الأمريكي للاتصال بنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون، لتوضيح ملابسات هذه المسألة التي وصفها المسؤولون الفرنسيون، بأنها "طعنة في الظهر". وهي كذلك بالفعل، خصوصا بعد اعتراف بايدن نفسه في اتصاله المهم أن الأمر يدخل في مجال سوء التفاهم والاتصال بين القنوات المعنية في هذه القضية. وبصرف النظر عن حقيقة تبرير الرئيس الأمريكي هذا، إلا أن الأمور ليست مرشحة للعودة إلى طبيعتها بين باريس وواشنطن في وقت قريب. ما يريده الفرنسيون أفعالا وليس أقوالا، خصوصا مع حليف أوروبي محوري مثلهم. بمعنى آخر، تتحرك فرنسا، ليس فقط من أجل عدم حدوث أمر كهذا في المستقبل، ولكن لكي تتضح الصورة حول طبيعة التحالف الغربي، ولا سيما في منطقة المحيطين الهادئ والهندي. والذي يعزز ذلك، أن اللقاء الأخير الذي جمع وزير الخارجية الفرنسي إيف لودريان بنظيره الأمريكي أنتوني بلينكن، لم يعد الثقة بين الطرفين.
ربما يوفر اللقاء الأهم الذي سيتم بين ماكرون وبايدن الشهر المقبل، أجوبة أوضح عن أسئلة كثيرة يطرحها الفرنسيون في أعقاب قضية صفقة الغواصات المشار إليها. وهي أسئلة على شاكلة، ما مفهوم الولايات المتحدة بقيادة الحزب الديمقراطي للتحالف؟ وكيف تنظر إلى حلفائها التقليديين وخصوصا الأوروبيين؟ هل كان الرئيس الأمريكي صادقا عندما أعلن قناعته التامة بضرورة تمتين التحالف الغربي، ولا سيما في أعقاب المشكلات التي أصابته نتيجة مواقف وسياسات سلفه دونالد ترمب السلبية في هذا المجال؟ كيف يمكن مواجهة التمدد الصيني في المنطقة الآسيوية والعالم؟ ما أهمية التحالفات الثنائية أو الثلاثية في هذا الميدان؟ ألم يكن من الأفضل أن تجرى محادثات مفتوحة بين الحلفاء قبل أن تتم عملية الالتفاف على فرنسا في صفقة الغواصات الأسترالية؟
الأسئلة كثيرة، وستبقى حاضرة على الساحة بصرف النظر عن البيان المشترك بين باريس وواشنطن في أعقاب مكالمة الرئيسين الأمريكي والفرنسي. فالحقيقة كانت أوضح بمواقف وزير الخارجية الفرنسي الذي طلب علنا من نظيره الأمريكي ضرورة أن تعمل الولايات المتحدة من أجل إعادة الثقة مع فرنسا. هذه الأخيرة أعادت سفيريها إلى كل من واشنطن وكانبيرا، في مبادرة حسن نية على أنها لا تريد سوى الحقيقة، ووضع أسس عملية تضمن صلابة التحالف الغربي حول العالم، وليس فقط على الساحة الآسيوية أو مناطق محددة هنا وهناك. في حين أنها لم تستدع سفيرها من لندن احتجاجا على صفقة الغواصات، بعد أن كان لوزير الخارجية الفرنسي الجرأة للإعلان، عن أن لندن ليست إلا مجرد تابعة، وبالتالي لا قيمة عملية لسحب السفير منها. بالطبع هذه إشارة تحمل إهانة جلية لبريطانيا، التي تجمعها أصلا علاقات متوترة مع فرنسا بسبب متعلقات "بريكست"، أو الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي.
بالطبع فهم جو بايدن المطلب الأهم لفرنسا، وهو طبيعة التحالف الغربي، ودور حلف شمال الأطلسي (الناتو) في حفظ الأمن والسلم الدوليين. وهذا ما يمكن ملاحظته من تأكيداته أن يكون الدفاع الأوروبي أقوى وأكثر كفاءة للمساهمة في الأمن عبر المحيط الأطلسي، وإكمال دور الحلف. أي إن الرئيس الأمريكي سعى إلى التقليل (ولو في هذه المرحلة) من أهمية التحالفات الثنائية أو الثلاثية في هذا المجال الاستراتيجي. فالولايات المتحدة تؤكد رسميا في أعقاب المحادثات الأمريكية - الفرنسية، الأهمية الاستراتيجية لفرنسا والاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ. وهذا الموقف استوعب تصريحات غير مساعدة لرئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، الذي لا تجمعه في الواقع علاقة طيبة مع الرئيس الأمريكي حتى قبل أن يصل الأخير إلى البيت الأبيض.
الأزمة بين فرنسا والولايات المتحدة، على وجه الخصوص، تحتاج إلى وقت أطول لكي تنتهي إلى الأبد. فالمسألة لم تعد منحصرة في خسارة صفقة عسكرية أو اقتصادية، بل صارت مرتبطة بالمفهوم الغربي العام للتحالف الاستراتيجي، ولا سيما في ظل الحراك الصيني الذي لا يتوقف على مختلف الأصعدة. الأشهر المقبلة، ستشهد بالتأكيد الشكل النهائي لتحالف تلقى ضربات نوعية من إدارة ترمب على مدى أربعة أعوام.
إنشرها