تقارير و تحليلات

27 تريليون دولار .. فخ السيولة يرفع التضخم ويمهد لحرب عملات وفقاعة عقارية

27 تريليون دولار  .. فخ السيولة يرفع التضخم ويمهد لحرب عملات وفقاعة عقارية

منذ مارس 2020 أغرقت البنوك المركزية والحكومات الأسواق بتريليونات الدولارات.

27 تريليون دولار  .. فخ السيولة يرفع التضخم ويمهد لحرب عملات وفقاعة عقارية

في عالم السيارات يعد تشحيم محرك السيارة أمرا ضروريا للحفاظ على أفضل أداء للمحرك وتجنب الأعطال، وإذا لم تتم عملية التشحيم بشكل دائم ومنتظم وبما يكفي من زيوت وشحوم، فإن درجة حرارة المحرك ترتفع ويتصاعد الدخان في مؤشر عن وجود مشكلة ما.
عالم الاقتصاد كعالم السيارات تماما، في حاجة ماسة إلى عملية تزييت وتشحيم دائمة، أما زيوت الاقتصاد وشحومه فهي السيولة المالية، بدونها تبدأ تروس العملية الاقتصادية في الاحتكاك المباشر ببعضها بعضا لتصدر صريرا حادا، تخبر محافظ البنك المركزي بأن هناك خطبا ما، وأن وقت تشحيم الآلة الاقتصادية بمزيد من السيولة المالية بات ضروريا، وإذا لم تتم عملية التشحيم المطلوبة بالكمية المطلوبة من السيولة فإن تروس الآلة الاقتصادية تتوقف عن العمل.
وإذا اعتقد البعض أن الضغط على الآلة الاقتصادية دون تلبية حاجاتها من الشحوم أو السيولة المالية سيجعلها تواصل العمل، فإن النتيجة تكون غالبا تعرضها للكسر والتحطيم حيث تكلفة الإصلاح مؤلمة ومرتفعة للغاية.
لكن قياس كمية السيولة التي يحتاج إليها اقتصاد ما، لا تعد بسهولة قياس كمية الزيوت التي يحتاج إليها محرك السيارة، فأحيانا كثيرة تكون السيولة متاحة لكن سريعا ما تختفي لظهور منتج ما قادر على امتصاصها بشكل غير معتاد.
في علم الاقتصاد تعد الأزمة الاقتصادية في أغلب الأحيان مرادفا للجفاف المفاجئ للسيولة، وربما يكون هذا هو السبب الحقيقي في أن كل أزمة اقتصادية ضخمة وذات طابع عالمي تترافق مع قيام البنوك المركزية بضخ مليارات وتريليونات الدولارات لتشحيم العجلة الاقتصادية.
اليوم لا توجد أزمة سيولة في الاقتصاد العالمي، على العكس تماما، فكمية الزيوت والشحوم التي ضخت في العجلة الاقتصادية، نتيجة جائحة كورونا جعلت الاقتصاد الدولي غارقا في السيولة، وشكوى البعض بأنه لا يوجد لديه ما يكفي من أموال لا علاقة لها بنقص الأموال على الصعيد الدولي، إنما بعدم العدالة في توزيع الثروات.
منذ آذار (مارس) 2020 أغرقت البنوك المركزية والحكومات الأسواق بنحو 27 تريليون دولار أي ما يقارب ثلث الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وأسفر ذلك عن زيادة في أسعار الأسهم بنحو 85 في المائة، والآن تتزايد التوقعات بأن تأخذ معدلات التضخم في الارتفاع بسبب تلك السيولة المفرطة. باختصار العالم يغرق من كثرة الأموال وليس من قلتها.
لكن ما المخاطر الناجمة عن فرط السيولة العالمية، وهل بلغت السيولة الدولية ذروتها بالفعل؟
تشبه الدكتورة اليزابيث كاري الاستشارية في بنك إنجلترا الإفراط في السيولة المالية التي يواجهها الاقتصاد الدولي حاليا، بالإفراط في تدليل الأبناء بتلبية طلباتهم دائما، إذ يؤدي هذا النمط من التربية إلى إضعاف قدرتهم على مواجهة مصاعب الحياة، لكنها تشير أيضا إلى أن ذلك لا يعني حرمانهم الدائم من كل شيء.
وتؤكد لـ"الاقتصادية" أن معدلات السيولة المرتفعة ترافقت بالطبع مع معدلات فائدة منخفضة، وتلك البيئة من أسعار الفائدة المتدنية جعلت من السهل على الشركات الاقتراض من المصارف، حيث بلغ الدين العالمي على الشركات غير المالية 71 تريليون دولار بنهاية 2018 أي بزيادة 15 في المائة عما كان عليه الوضع 2008، ويمثل هذا المبلغ 93 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وهناك نحو ستة تريليونات دولار عجز في الميزانيات العمومية للشركات ذات الاستدانة المرتفعة.
هذا الأمر شديد الخطورة إذ يجعل الشركات تتجاهل تطوير وإعادة هيكلة ميزانيتها، معتمدة على انخفاض أسعار الفائدة، وبذلك تفقد قدرتها على المنافسة الحقيقية عبر الاعتماد على الروافع المالية التي تقدمها المصارف، وتتجاهل الأدوات الأخرى لزيادة رأسمالها.
لكن تلك النظرة التحليلية التي تركز على الاقتصاد الجزئي لا تنفي أن خبراء الاقتصاد الكلي يعتقدون أيضا أن الإفراط الراهن في السيولة ستكون له أضرار على الاقتصاد العالمي.
من جانبه، يرى الدكتور إم. مالتس أستاذ الاقتصاد الكلي في جامعة أدنبرة أن إغراق العالم بالسيولة المالية يجهد النظام الاقتصادي العالمي، بطريقة قد لا يكون النظام المالي قادرا معها على مواجهة قضايا أكثر صعوبة مستقبلا، فتحديات من قبيل الإنفاق على الرعايا الصحية والبنية التحتية الخضراء ومكافحة التلوث المناخي تتطلب احتياجات تمويلية ضخمة قد يصعب على النظام المالي الدولي توفيرها مستقبلا بسبب إفراطه الراهن في توفير السيولة لإدارة عجلة الاقتصاد العالمي.
ويؤكد لـ"الاقتصادية" أن العالم يواجه ما يمكن وصفه بفخ السيولة، وخطورة هذا الوضع أنه على الرغم من توافر الأموال بشكل كبير ومفرط فإن تأثيرها يكون محدودا.
ويقول "المعروض النقدي العالمي حاليا انخفض إلى 24 في المائة من ذروته 2020، لكنه لا يزال أعلى بكثير من مستويات ما قبل الوباء، مع هذا فإن هناك إدراكا دوليا متزايدا بمخاطر السيولة المفرطة، ولهذا فإن المسار الجديد في سوق الأسهم لا يجب أن يعتمد على مدى توافر السيولة إنما على معدلات النمو، إذا رغبنا في الفكاك من فخ السيولة".
فخ السيولة الذي يتزايد الحديث الدولي عنه يحمل أيضا في طياته مخاطر من نوع آخر، إذ يمكن أن يمهد الطريق لحرب عملات، فعندما تقترب أسعار الفائدة من الصفر، لن يكون أمام السياسة النقدية للبنوك المركزية من وسيلة أخرى لدعم المنتجين المحليين غير خفض قيمة العملة الوطنية في مواجهة العملات الأخرى لتشجيع المصدرين المحليين على زيادة صادراتهم.
لكن إحكام القبضة على السيولة العالمية أو ضبطها لا يبدو أمرا سهل المنال من وجهة نظر عديد من الخبراء، فأعوام الإفراط أوجدت ميكنزمات خاصة بها، وعززت الأداء في قطاعات اقتصادية رئيسة، بحيث بات من الصعب حاليا حرمانها من فوائد إفراط السيولة، وأي تغيير في المشهد المالي قد يؤدي إلى هزات في تلك القطاعات، وما يستتبع ذلك من ردود فعل سلبية على الاقتصاد الدولي.
قطاع العقارات واحد من أبرز القطاعات التي استفادت بشدة من الوفرة المالية في الأسواق، حيث تمت تغذية معدلات النمو فيه نتيجة السيولة الوفيرة، فالطلب المدعوم ماليا أسهم في ارتفاع معدل النمو في القطاع بـ10 في المائة وفقا لبيانات بنك التسويات الدولية.
في هذا السياق، يشير أوليفر ويليم الخبير الاستثماري إلى أن ارتفاع أسعار العقارات على المستوى العالمي لا يعود فقط إلى أسعار الفائدة المنخفضة أو المخزون المنخفض، إنما إلى السيولة العالمية، لافتا إلى أن كثيرا من عمليات الشراء العقاري في الوقت الحالي تتم بهدف استثماري.
ويقول لـ"الاقتصادية"، "الطلب المتصاعد على العقارات فتح شهية المطورين العقاريين، حيث تعزز موقفهم نتيجة قدرتهم على الاقتراض من البنوك وتوافر السيولة لدى المشترين لدفع مقدم للعقار، ومن ثم ازدهار القطاع العقاري على المستوى الدولي يأتي كنتيجة طبيعية لإفراط السيولة، وضبط السيولة سواء كان بشكل حاد سريع أو تدريجي سينعكس سلبا على القطاع العقاري".
مع هذا يحذر بعض الخبراء من أن عدم ضبط السيولة المالية الحالية في الأسواق، ستنجم عنه فقاعة مالية لن تؤدي إلى حدوث انفجار في القطاع العقاري فحسب، لكن الأكثر خطورة أنها قد تؤدي إلى انفجار في معدلات التضخم.
وربما تكون تلك المخاوف تحديدا هي ما دفعت بأكبر أربعة بنوك مركزية في العالم، الفيدرالي الأمريكي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا وبنك اليابان، إلى خفض مشترياتها من الأصول من تسعة تريليونات دولار العام الماضي إلى 3.4 تريليون فقط هذا العام، باعتبار ذلك وسيلة لخفض السيولة العالمية وكبح جماح أشباح التضخم، التي تحلق في سماء الاقتصاد الدولي.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من تقارير و تحليلات