Author

الصحافة الأمريكية وموقفها من أحداث أفغانستان

|
لم تبق حجرا إلا وقلبته، ولم تبق شأنا إلا وتطرقت إليه، ولم تبق حدثا إلا وسردته، ماضيا كان أو حاضرا، مع ذلك غاب السياق ومعه الموضوعية والنزاهة. هذا كان شأن الصحافة الأمريكية في تغطيتها الانسحاب الفوضوي من أفغانستان.
من خلال قراءتي خلال الأسبوعين الآخرين لما يرد في الصحافة الأمريكية حول أفغانستان، أستطيع القول: إن التغطية كانت كشفا للحساب ومراجعة للنفس وبعضا من النقد الذاتي، لكن طغى إلقاء اللوم على الآخر وعدم تحمل المسؤولية. وإن كان لدي مصطلح لتوصيف ما قرأته على مدى أسبوعين، فإن مفردة "الغور" باللغة العربية قد تكون أقرب وصف لتغطية الصحافة الأمريكية لأفغانستان.
التغطية كانت سحيقة وعميقة وبمنزلة الغور الذي لا نهاية له ولا يمكن سبر مكنوناته ومساراته، مع ذلك كان هناك بعد عن السياق والنزاهة.
لاحظت بوادر ألم عميق في الخطاب الصحافي الأمريكي للطريقة المهينة التي خرج جيشهم فيها من أفغانستان، وكان هناك تذكير وتأنيب لما وصلت إليه الأمور. حاولت الصحافة سبر أغوار الحرب التي استمرت 20 عاما، وكشفت القناع عن أن مسيرة هذه الحرب شابها كثير من الأخطاء التي تراكمت حتى وصلت إلى ما يشبه الكارثة. ووردت توصيفات خطابية سلبية لما حدث، ربما عزفت الصحافة الغربية عن إطلاقها، مثل: الهزيمة، والكارثة، والفضيحة، والاندحار.
وما جذب انتباهي كان مقالا في صحيفة "واشنطن بوست" عن التغطية الصحافية، حيث قال: "إن خصوم الرئيس الحالي كانوا في انتظار هفوة بسيطة كي ينهالوا عليه نقدا". وكتبت "نيويورك تايمز" كيف أن الصحافة الأمريكية أعادت إلى الذاكرة الهزيمة في فيتنام وصور الهروب الجماعي بالطائرات العمودية.
وكانت صحيفة "نيو ريبليك" أكثر جراءة حيث ذكرت أن الصحافة الأمريكية كانت تنتظر "كارثة بهذا الحجم" بعد أن قدمت الإدارة الحالية نفسها على أنها أنضج بكثير من سابقتها "المتهورة"، ولهذا لم يقع دفاع المسؤولين الأمريكيين عن قرار الانسحاب على آذان صاغية. وهذا، حسب الصحيفة، ما حث الصحافة على إجراء مقارنات ومقاربات مع ما حدث في فيتنام. وانهال النقد القاسي على الإدارة الحالية. حتى "نيويورك تايمز" التي وقفت مع الرئيس الحالي جو بايدن في الانتخابات الرئاسية رأت أنه كسر الوعود التي قطعها للشعب الأمريكي.
وحسب "سي. إن. إن"، فإن كارثة الانسحاب من أفغانستان أظهرت أن الرئيس بايدن لا يختلف أبدا عن الرئيس السابق ترمب. وقارن الموقع الإخباري "فوكس" بين أقوال المسؤولين الأمريكيين السابقين أن الحرب تجري لمصلحة أمريكا وأن الانتصار قاب قوسين أو أدنى والفشل الذريع الذي رافقها منذ البداية بسبب الفوضى والفساد اللذين رافقا المفاصل الإدارية في أفغانستان.
وتغطية الصحافة عن الخسائر لم يرق إلى الموضوعية والنزاهة. في كل مرة جرى ذكر الخسائر البشرية، كانت الصحافة تظهر نوعا من الاغتباط لأن الخسائر البشرية الأمريكية قليلة مقارنة بطول الحرب التي استمرت 20 عاما.
وهذا كان جليا في تقرير لمعهد واتسون عن الخسائر البشرية، حيث ذكر أن مقتل 2,401 أمريكي في حرب استمرت 20 عاما ليس رقما كبيرا، دون التطرق إلى خسائر الجانب الآخر التي في الأقل تقدر بعشرات الآلاف. وقرأت مقالات كثيرة عن الخسائر المادية التي استأثرت بالاهتمام، حيث رأت "واشنطن بوست" أنها تفوق الرقم المعلن الذي يبلغ تريليوني دولار، دون الإشارة إلى الحال الاقتصادية المفجعة لأفغانستان، حيث كل ما يملكه هذا البلد هو تسعة مليارات دولار في المصارف الأمريكية وهذه تم تجميدها بعد الانسحاب.
وأفضل ما قرأته كان تحليلا للتغطية الصحافية لانسحاب الجيش الأمريكي من أفغانستان ورد في مجلة "كولومبيا لمراجعة الصحافة"، حيث أشارت إلى فراغ عميق في المحتوى الصحافي وبعد شاسع عن سياق الأحداث. وانتقدت المجلة التي تنشرها كلية الدراسات العليا للصحافة في جامعة كولومبيا تكديس اللوم على إدارة واحدة أو شخص واحد، أي: الرئيس الأمريكي الذي اتخذ قرار الانسحاب. وذكرت الصحافة الأمريكية أن غياب السياق في التغطية أمر غير مقبول.
الفشل الأمريكي في أفغانستان حسب المجلة سببه عقدان من السياسات الخاطئة فيما يسمى "الحرب على الإرهاب" التي دشنها الرئيس السابق جورج بوش. المسؤولية، تقول المجلة، يتحملها كل من كان له ضلع في هذه الحرب.
إنشرها