FINANCIAL TIMES

لماذا لا يريد سائقو الشاحنات الأوروبيون العودة إلى المملكة المتحدة؟

لماذا لا يريد سائقو الشاحنات الأوروبيون العودة إلى المملكة المتحدة؟

وجد مكتب الإحصاء في المملكة المتحدة أن 50 ألفا من سائقي الشاحنات المقيمين في البلاد تركوا المهنة منذ بدء الوباء، ويبدو ثلاثة من السائقين المنحدرين من أوروبا الشرقية.

بعد 14 عاما من العمل سائق شاحنة في المملكة المتحدة، علق جولت جابور؛ مفاتيحه في نهاية آذار (مارس) وعاد إلى المجر بشكل نهائي.
أصبحت الظروف لا تطاق خلال جائحة فيروس كورونا التي أدت، إلى جانب الآثار المترتبة على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلى نقص عدد سائقي الشاحنات في بريطانيا بواقع 90 ألف سائق على الأقل، وهو أمر يتجلى بوضوح في مشكلات سلسلة التوريد المتزايدة.
قال جابور؛ إن النقص في عدد السائقين، وصعوبة العثور على رحلة جوية تعيده إلى المجر نتيجة القيود المفروضة بسبب الفيروس، كانا يعنيان فعليا أن ورديته الأخيرة في المملكة المتحدة استمرت ثلاثة أشهر، مع الحد الأدنى من فترات الراحة الإلزامية فقط. لم يتوقف لأكثر من 45 ساعة.
في ذروة الوباء، كان هذا يعني أن قمرة شاحنته كانت هي منزله. جاءت القشة الأخيرة عندما أمره شرطي بالعودة إلى شاحنته متعللا بقيود الإغلاق. قال: "لم يسمح لي حتى بالمشي في نهاية وردية". جابور؛ يشكو من أوجاع في ظهره وعائلته تنتظر عودته الى المجر، لذلك قرر أن الكيل قد طفح.
قالت لوجيستكس يو كيه، الهيئة التجارية لشركات النقل، إن بريطانيا تعاني نقصا مزمنا في عدد السائقين استمر أعواما عديدة، لكن المشكلة أصبحت حرجة الآن. دعا قادة القطاع الحكومة إلى إضافة سائقي مركبات البضائع الثقيلة إلى قائمة المهن التي تعاني نقصا، ما يمنح الناقلين الأجانب إعفاء من قوانين الهجرة المفروضة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، التي تمنع توظيفهم.
لم تستبعد الحكومة تماما اتخاذ أي إجراء، لكن وزير الأعمال، كواسي كوارتنج؛ كتب في أواخر الشهر الماضي إلى قادة الأعمال يحثهم على توظيف عمال مقيمين في المملكة المتحدة بدلا من ذلك، مشيرا إلى أن العمالة الأجنبية عرضت فقط "كحل مؤقت قصير الأجل".
حتى لو تم منح الإعفاء، يبدو من غير المرجح أن يعود كثيرون ممن غادروا المملكة المتحدة بسهولة. تحدثت «فاينانشيال تايمز» إلى عشرات من سائقي الشاحنات الثقيلة في أوروبا الشرقية الذين اعتادوا العمل في بريطانيا، لكنهم ذهبوا إلى أماكن أخرى للعمل.
يستشهد كثيرون بقصص مماثلة عن ظروف العمل السيئة التي أدت إلى استقالتهم، لكن هناك أسبابا أخرى تشمل الأجور المنخفضة التي تفاقمت بسبب الإصلاح الضريبي، المعروف باسم IR35، الذي أدى إلى منع معظم السائقين من العمل كشركات محدودة، وهو ما ترتب عليه انخفاض كبير في الأجور التي يتم الحصول عليها بعد خصم الضرائب وغيرها من الالتزامات الأخرى.
أضف إلى ذلك خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. بالنسبة إلى سائقي الشاحنات، كان هذا يعني الأعمال الورقية التي لا نهاية لها، بما في ذلك الإجراءات الجمركية التي لم يتم تدريبهم عليها مطلقا والوقوف في طوابير عند الحدود. تشمل القضايا الأخرى الحاجة إلى اجتياز امتحانات القيادة في المملكة المتحدة التي لم يكن لدى كثير من سائقي الشاحنات المهارات اللغوية التي تساعدهم على اجتيازها، إلى جانب موقف أكثر عدائية تجاه الأجانب في بريطانيا.
علاوة على ذلك، أوروبا ككل تعاني نقصا في سائقي الشاحنات. قال جولت بارنا؛ الرئيس التنفيذي لشركة وابيرير، وهي واحدة من أكبر شركات النقل في أوروبا الشرقية ـ مقرها في العاصمة المجرية، بودابست: "نقص السائقين مشكلة في جميع أنحاء أوروبا، وليس مشكلة معزولة في دولة واحدة".
وأشار بارنا؛ إلى أن بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي أسوأ نسبيا من المملكة المتحدة، بما في ذلك رومانيا، وهي مصدر مهم لسائقي الشاحنات في المملكة المتحدة على مر السنين، التي يعيش فيها 20 مليون نسمة وينقصها 20 ألف سائق.
بالنسبة إلى السائقين في الاتحاد الأوروبي الذين غادروا، لكن لا يزال لديهم الحق في العودة والعيش في المملكة المتحدة، فإن احتمالات الأجور الأعلى التي تقدمها بعض الشركات البريطانية الآن لم تكن كافية. قال كثيرون إنهم وجدوا بالفعل عملا في مكان آخر بأجور أعلى وفي بيئة عمل أفضل.
بيتر كوفكس؛ مجري آخر، استمر عامين في إنجلترا. بعد أن ورث مزرعة عائلته، أتى إلى المملكة المتحدة لكسب المال لإعادة الاستثمار في المزرعة وكان يخطط للبقاء لفترة أطول. لكن بعد تجربته قال إن لا شيء سيغريه بالعودة.
قال: "لقد قاموا بتخويفنا بينما كان السائقون يواصلون القدوم. الآن هم يتوسلون إلينا للعودة". بمجرد أن ادخر كوفكس 60 ألف جنيه استرليني، قرر العودة إلى وطنه على الرغم من أن ذلك كان أقل من الهدف الذي حدده لنفسه. "لن أعود أبدا. أنا أحب إنجلترا، إنها بلد عظيم، سأصطحب عائلتي إلى هناك يوما ما، لكن للعمل، بالطريقة التي يعاملون بها الناس؟ لن يحدث ذلك مطلقا مرة أخرى".
عمل كرزيستوف؛ الذي رفض الكشف عن لقبه، لمدة أربعة أعوام في المملكة المتحدة قبل أن يعود إلى بولندا في 2020. أصبحت زوجته حاملا وقررا أنهما يريدان تربية الطفل في وطنهما.
كان يقود شاحنات في بولندا وألمانيا وليست لديه خطط للعودة إلى المملكة المتحدة بشكل دائم، حتى لو كان الأجر أفضل. قال إن قوانين IR35 الضريبية كانت القشة الأخيرة بالنسبة إليه ولكثير من السائقين البولنديين الذين يعرفهم.
أضاف: "مما أعرفه، عاد كثير من السائقين (إلى بولندا) لأنهم لم يعد بإمكانهم العمل متعاقدين مستقلين. يريد معظم الأشخاص الذين أعرفهم (في المملكة المتحدة) العودة واستثمار أموالهم في بولندا".
في المقابل، بعد أن عاش في المملكة المتحدة لمدة ثمانية أعوام، حيث كان يعمل في الأغلب في المستودعات، كان ياكوب بورزيكوفسكي؛ ينوي العودة بعد السفر إلى بلده بولندا للحصول على رخصة قيادة النقل الثقيل.
قال: "سمعت أن أجور (سائقي الشاحنات) في المملكة المتحدة كانت كبيرة وكان هناك نقص في السائقين، لذلك ينبغي ألا تكون هناك أي مشكلة في العثور على وظيفة".
لكن عند عودته في وقت سابق من هذا العام، تم رفض دخوله وترحيله بسبب التباس بشأن حقه في العمل في المملكة المتحدة، المعروف باسم الوضع المستقر في الاتحاد الأوروبي. يعمل الآن في ألمانيا. "ما الذي يجعل السائقين البولنديين يختارون المملكة المتحدة بدلا من ألمانيا؟ إجراءات تأشيرة مبسطة. مما قرأته، كان هناك بعض الضغط على الحكومة البريطانية لتبسيط الأمر، لكنهم قالوا لا".
أضاف: "أردت حقا العمل في المملكة المتحدة، لدي بعض الأصدقاء ويعيش بعض أفراد عائلتي هناك (...) لقد اشتقت إليها".
دان مايرز؛ العضو المنتدب للنقل في المملكة المتحدة وإيرلندا في "إكس بي أو لوجستيكس"، حث الحكومة على إعادة النظر في إضافة سائقي الشاحنات إلى قائمة المهن التي تعاني نقصا. قال: "كحل مؤقت قصير المدى، إنها طريقة منطقية وعملية".
لكن كيران سميث؛ الرئيس التنفيذي لشركة درايفر ريكواير، وهي وكالة توظيف، عارض ذلك قائلا: "إذا عملنا على أساس إعادة العمال الأجانب كحل، فإننا مضللون بشكل خطير"، مشيرا إلى أنه كان من الأفضل التركيز على جذب بعض البريطانيين البالغ عددهم 300 ألف الذين يحملون رخص قيادة النقل الثقيل لكنهم استقالوا.
أشار سميث؛ إلى بيانات مكتب الإحصاءات الوطنية التي أظهرت في بداية الوباء أن نحو 40 ألفا من بين 300 ألف سائق شاحنة في المملكة المتحدة كانوا من الاتحاد الأوروبي. وبحلول نهاية آذار (مارس) 2021، انخفض هذا الرقم إلى نحو 20 ألفا، لكن نحو خمسة آلاف عادوا منذ نيسان (أبريل).
كذلك وجد مكتب الإحصاء الوطني أن 50 ألف سائق مقيم في المملكة المتحدة تركوا المهنة منذ بدء الوباء، خاصة أولئك الذين تزيد أعمارهم على 45 عاما. أدركوا أنهم لا يريدون العودة إليها في هذه السن.
بالنسبة إلى جابور؛ دفعه قراره بالتوقف عن النقل بالشاحنات إلى توظيف سائقين في المجر بعد أن طلب منه صاحب العمل البريطاني السابق مساعدته في العثور على بديل. في النهاية، قوانين الهجرة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تعني أن وكالته، رايت درايفر، انتهى بها الأمر إلى التركيز على إيرلندا.
لقد بدأ بالتوجه إلى السائقين في دول البلقان غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك صربيا ومقدونيا الشمالية، قائلا إذا لم يتمكنوا من العمل في إيرلندا، فسيكونون متاحين للعمل في المملكة المتحدة. "سيكون عليهم فقط رفع القيود بالفعل".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES