إعادة إحياء جدة التاريخية بتوجيه وإشراف ولي العهد الأمير محمد بن سلمان ليس ترميما لمبان تاريخية عريقة وحسب، بل حفظا لذاكرة شعبية واستعادة قصص تاريخية متنوعة صنعت الفرق عربيا وإسلاميا ووطنيا.
فخلف كل منزل، لا يزال شامخا بروشانه الحجازي المميز والفريد من نوعه، رجال وسيدات وأسر، عاشوا وعملوا وأتقنوا، لتصبح جدة ما هي عليه الآن ملتقى للحضارات والشعوب وموئلا للتعايش والتسامح والإخاء.
نموذج سعودي لما يجب أن تكون عليه المدن في الماضي والحاضر. لذلك يأتي الأمر بإعادة الإحياء تتويجا وامتدادا لما مضى واستثمارا ثقافيا لما هو آت بإشراف مباشر من وزارة الثقافة، ممثلة في الأمير بدر بن فرحان صاحب المبادرات الثقافية الخلاقة.
حيث الأنشطة والفعاليات في هذه المنطقة تحديدا لم تبدأ للتو بتدشين المشروع، إنما منذ أعوام مضت أوقفت فيها التعديات والمظاهر غير المرغوبة على مستوى البنية التحتية، وصولا إلى مبادرات فنية وثقافية أنعشت المحيط التجاري والسكني.
شباب وشابات من جميع مناطق المملكة تعرفوا على تاريخية جدة عن قرب في ضوء هذه المبادرات. وعائلات معروفة التفتت إلى مباني الأجداد وأخذت على عاتقها إعادة تأهيلها أو على الأقل وقف نزيفها المعماري بما يتماشى والتوجه الوطني الأشمل لإعادة إحياء المنطقة بتوجيه من ولي العهد وضمن مستهدفات "رؤية 2030".
هو التكاتف والتضامن شعبيا وحكوميا، إذن يعود سيرته الأولى، لكن هذه المرة ضمن رؤية وأهداف واضحة ومتماسكة، لتحظى جدة المدينة بما تستحقه من مراكز جذب متنوعة ومميزة، تضعها ضمن مصاف المدن السياحية والاقتصادية الكبرى حول العالم.
جدة البلد هو الاسم المحلي والمحبب لكثير ممن تربطهم بهذه البقعة من الأرض كثير من الذكريات، حيث حضارة "الميناء" الممتدة لألفي عام كفيلة بأن تجعل منها مقصدا لكثير من شعوب الأرض. كما أنها في المقابل، جعلت منها جهة مفتوحة على كل الاحتمالات و"الانتظارات" التي لا يجيدها كثيرون، بقدر ما يجيدها أهل الساحل المشهورون بسماحتهم وتقبلهم لكل الأجناس والأعراق، ولجميع أنواع التعايش والتعدد الثقافي. يبقى إحياء التراث والحفاظ عليه وتهيئة الأماكن والخدمات الترفيهية والسياحية والتراثية، لم يعد اليوم من قبيل الترف، بل ضرورة اقتصادية واجتماعية ثقافية، تحتمها طبيعة حياة معاصرة تتنوع فيها الاقتصادات، ما يدعو كل مواطن للاحتفاء بها كمنجز حضاري يستحق كل من أسهم فيه الإشادة والتقدير.

