Author

هل نحتاج إلى بنوك أو خدمات بنكية؟

|

أستاذ الطاقة الكهربائية المشارك ـ جامعة الملك سعود

[email protected]

في عام 1994 قال بيل جيتس مقولته الشهيرة: "الخدمات البنكية ضرورية، لكن البنوك ليست كذلك". وقوبلت مقولته حينئذ بوابل من السخرية والتندر. هل أصبحت بالفعل حقيقة؟ لقد كان صعبا فهم هذا البيان عام 1994 عندما لم تكن التقنية المالية Fintech شائعة آنذاك ومن الصعب العيش أو تخيل العالم دون بنوك ومصارف، لأنها أصبحت جزءا من حياتنا اليومية ويمكن أن تتوقف أعمالنا دون البنوك، ولذا يتم تنظيمها عادة من البنك المركزي للبلد ومراقبتها واستقبال الشكاوى من العملاء. هبت رياح التحول الرقمي في صناعة الخدمات البنكية والمصرفية وأعلنت قدوم التقنية المالية، أو الخدمات المالية القائمة على التقنية، حيث تنافس البنوك والمصارف التقليدية، ولذلك يعدها البعض بمنزلة زعزعة واضطراب لكامل الصناعة. لقد نجح بعض شركات التقنية المالية في الحصول على عملاء، كما انتقل بعض عملاء البنوك من الخدمات المصرفية إلى التقنية المالية، خصوصا في ظل جائحة كورونا، لكن يتحدى البعض أن قدرة التقنية المالية على تعطيل العمل المصرفي التقليدي ستكون محدودة، وأشاروا إلى أن التقنية المالية لا تزال صناعة وليدة وتحبو للنجاة، وتحتاج إلى وقت طويل لإثبات أن خدماتها جيدة وآمنة تشابه خدمات البنوك التقليدية. سيكون العملاء الماليون في المستقبل أو في جيل الألفية على دراية بالتقنية، وحريصين على الحصول على خدمات بسيطة وسريعة ورخيصة، ولذلك من الضروري أن تشعر البنوك والمؤسسات المالية بالحراك الرقمي، الذي يقوده جيل المستقبل وليس العكس. وتأتي فكرة إنشاء التقنية المالية من أن وظيفة الوسيط المالي التقليدي باهظة الثمن، وتفتقر إلى القدرة على تلبية احتياجات العملاء، فالمنتجات والخدمات التي تصدرها المؤسسات المالية هي منتجات جماعية باستثناء الخدمات المصرفية الشخصية التي تخدم الأفراد ذوي الثروات العالية.
يمكن للمنصات المالية ذات محركات البحث المتطورة استخدام الذكاء الاصطناعي للتنبؤ باحتياجات العملاء وتوفير وقتهم، وستكون الخدمات المتوقعة في الوقت الفعلي عبر الإنترنت. وتتيح التقنية المالية تقديم خدمات أكثر تخصيصا للعملاء بأسعار منخفضة نسبيا مثل التحويل والتمويل والقروض، بينما توفر البيانات الضخمة حجم معاملات العملاء والمسارات الرقمية، وقد يكون مصدر البيانات الضخمة الكنز الجديد، لأنه طريقة جديدة لقراءة سلوك العملاء وملفاتهم الشخصية وأسلوب حياتهم، ويساعد على صياغة استراتيجيات لخدمات أكبر، لكن من حيث الإدارة المالية للأفراد والمنظمات فلا تزال احتياجات العملاء كما هي. يحتاج العملاء إلى حسابات مصرفية وإدارة النقد والتأمين على ممتلكاتهم ومخاطر العمل وعلى أنفسهم، وقد يحتاجون إلى الاستثمار لجعل أصولهم أكثر إنتاجية. وأضف إلى مجموع التقنيات المستخدمة في التقنية المالية تقنية الحوسبة والعملات المشفرة. لقد تم إعداد البنوك لتكون شديدة العزوف عن المخاطرة في الوقت الحالي، ويرجع ذلك نسبيا إلى المشكلات والتحديات مع المنظمين، لكن الرقمنة تتعلق بحكم تعريفها بالمخاطرة ومعرفة ما إذا كانت الأشياء تعمل. إن طبيعة العمل الشائعة في مجال البنوك مع الشركات الناشئة هي في الواقع صعبة للغاية، وليس لدى البنوك والمصارف طاقة في نسب المخاطر العالية نسبيا، بينما في الفضاء الرقمي، تلعب هذه النسبة صورة من الواقع المفروض. وقس على ذلك إلى حد ما تداول عملة بيتكوين، فالبعض جربها رغم الخسارة الفادحة، فهم يحاولون معرفة سبب عدم نجاحها ثم يحاولون تحسينها والدخول مرة أخرى. وخرجت البنوك الرقمية بعدها منذ أكثر من 15 عاما تقريبا، حيث تقدم الخدمات المصرفية الرقمية بصورة أخرى. ونختتم بالسؤال لك أيها القارئ: هل كان بيل جيتس محقا في مقولته تلك؟.
 

إنشرها