Author

تفاهم واشنطن وبكين ليس مستحيلا

|
"يعتقد الرئيس الصيني أن بلاده ستتمكن من امتلاك الولايات المتحدة بحلول عام 2035"
جو بايدن، رئيس الولايات المتحدة

حسنا، الأمور هادئة على السطح في ميدان الخلافات التجارية الأمريكية الصينية، لأسباب عديدة، في مقدمتها اتباع الرئيس الأمريكي جو بايدن، ما يمكن وصفه باستراتيجية التريث، إلا أن هذه الخلافات تبقى العنصر الحاضر الدائم بين أكبر اقتصادين في العالم. وإدارة بايدن، تعتقد أن ترك الأمور على حالها لفترة معينة سيخفف حدة التوتر الذي كان وقودا لحرب تجارية حقيقية بين واشنطن وبكين، خصوصا في عهد الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترمب. هذا الأخير، كان منذ اليوم الأول لوصوله إلى الحكم، هجوميا شرسا على الصين، وله مبرراته، وعلى رأسها بالطبع التجاوزات التجارية التي تقوم بها بكين، بما في ذلك سرقة الملكية الفكرية على نطاق عالمي واسع، ولا سيما من الولايات المتحدة، فضلا عن الخلافات السياسية المتعددة.
الهدوء الذي فرضه بايدن على ملف العلاقات مع الصين، ولا سيما بعد فشل أول حوار على المستوى الوزاري بين الطرفين في آذار (مارس) الماضي، صاحبه في الواقع موقف لافت جدا، يتمثل في عدم الرغبة في إحياء الحوار الاقتصادي المنتظم مع بكين، الذي كان يحكم العلاقات بين الدولتين في ظل إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما السابقتين. وهذا الحوار علقه ترمب فور تسلمه مهام منصبه، وواصل بايدن تعليقه إلى أجل غير مسمى. لكن هذا لا يمنع من اتصالات بين الطرفين من وقت لآخر، لكن لا ترقى إلى مستوى الحوار شبه الاستراتيجي الذي تم في عهدي بوش وأوباما. من هنا، يمكن القول إن الرئيس الأمريكي الحالي، ليس متساهلا حيال الملف الصيني الذي يؤرق كل من يحكم البيت الأبيض، بل هو على العكس تماما.
الحوار الثنائي الذي واصل بايدن تعليقه تنتهي مدته رسميا آخر العام الجاري، ما يعزز الاعتقاد أن التوتر بين الطرفين سترتفع حدته أكثر في العام المقبل، خصوصا مع تفاقم المشكلات العالقة بين واشنطن وبكين في ساحات مختلفة، سياسية وعسكرية واقتصادية، حتى طبية مرتبطة بجائحة كورونا التي ترفض الحكومة الصينية التعاون مع الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للوصول إلى المصدر الأصلي لفيروس كوفيد - 19. هناك أزمة تايوان وهونج كونج، والتوسع العسكري الصيني في مناطق في آسيا، فضلا عن أوضاع حقوق الإنسان في الصين، وغير ذلك من الأمور العالقة. والتشدد الأمريكي في عهد بايدن حيال هذه القضايا، ولا سيما المسائل التجارية، أحدث خيبة أمل عبر عنها المسؤولون الصينيون بعد أيام من تولي الإدارة الديمقراطية الحكم في الولايات المتحدة.
الحال بقي على ما هو عليه في عهد جون بايدن، تماما كما كان خلال فتره سلفه ترمب. فحرب الرسوم موجودة، والتهديدات التي تظهر بين الحين والآخر من الطرفين في رفعها أو فرضها على سلع أخرى تعقد المشهد، علما بأن الرئيس الأمريكي حافظ على لغة دبلوماسية غير عدوانية تجاه الصين طوال الأشهر القليلة الماضية. والحق: إن بايدن كان باستطاعته أن يدفع شركاءه الأوروبيين لاتخاذ مواقف أكثر حدة ضد بكين، خصوصا في ظل عودة الحرارة إلى العلاقة التاريخية بين بلاده والاتحاد الأوروبي، إلا أنه لم يفعل، واستند في ذلك إلى مفهوم أعلنه في كل المناسبات، ويقوم على أساس التعاون الدولي في حل المشكلات قبل أي خطوة أخرى مغايرة، إلى جانب حرصه على بناء الشراكات.
باختصار، لم يضع الرئيس الأمريكي حتى الآن استراتيجية تجارية محددة من شأنها أن تكون فعالة في مواجهة الصين على الساحة الاقتصادية. وهذا مبرر آخر لترك الأمور عائمة بعض الوقت، واستخدام قنوات الاتصال، لا طاولات المفاوضات. والأمر يحتاج بالفعل إلى استراتيجية جديدة تماما. فالمسألة صعبة ومتفاقمة إلى درجة أن الصينيين احتلوا بالفعل مكانة الولايات المتحدة كأكبر شريك للأوروبيين. فقد تمكنت بكين من التحول إلى الشريك التجاري العالمي الأول في المنطقة الأوروبية، بدلا من واشنطن، وذلك لأول مرة منذ عام 1945، ورفعت مستوى صادراتها لدول المنطقة في العام الماضي 5.6 في المائة، وزادت وارداتها من هذه الدول 2.2 في المائة، في حين انخفضت الصادرات الأوروبية للولايات المتحدة 8.2 في المائة وتراجعت الواردات 13.2 في المائة.
في كل الأحوال، ستشهد الأشهر المتبقية من العام الحالي، توجهات جديدة لمعالجة العلاقة التجارية بين الولايات المتحدة والصين، لكنها لن تكون سهلة ولا حتى مرنة من الجانب الأمريكي. والأهم أن واشنطن ستعلن استراتيجيتها التفاوضية المنتظرة، التي لن تختص فقط بالطرفين المعنيين، بل ستشمل الساحة الاقتصادية الدولية أيضا. فالتعاون بين أكبر اقتصادين في العالم في أعقاب حل خلافاتهما، سينعكس إيجابا على هذه الساحة، كما أنه قد يسهم بصورة أو بأخرى في حل بعض المشكلات الأخرى العالقة بينهما. لكن في النهاية، تبقى المسائل التجارية المحور الرئيس، مع استمرار الحرب حولها وعليها، علما بأنه رغم التوترات الحالية بينهما، فقد نمت التجارة بين الجانبين في الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري. الأرضية جاهزة دائما للاتفاقات، خصوصا إذا لم تتسم الأطراف بالعدائية.
إنشرها