منذ وقت ليس ببعيد، تناولت الغداء مع صديق أخبرني أن والده الذي كان سياسيا معروفا إلى حد ما، قد توفي للتو. قلت، كم هو محزن هذا الأمر. أجاب بأن ما كان محزنا هو ليس موته، بل حياته. فعندما كان شابا، وطن نفسه على أنه سيكون عضوا في مجلس الوزراء، لكن منصبه لم يتعد أن يكون وزيرا ثانويا - ولم يتغلب على هذا الأمر أبدا. فعلى مدى العقود الثلاثة الأخيرة من حياته، كان يشعر بالمرارة والحسد، وكان رفيقا سيئا للآخرين، وكان يشكل عبئا على نفسه. وقد أخبرني ابنه أن ما قتله في النهاية لم يكن فشل العضو الذي تم ذكره في شهادة وفاته، بل طموحه الذي لم يتحقق.
بعد بضعة أيام، كنت أقوم بعمل بودكاست بالمشاركة مع جيني موراي، المذيعة المخضرمة. وكنا نتناقش حول مستقبلنا المهني بعد انفصالنا عن أرباب عملنا الذين عملنا لديهم مدى الحياة، حيث كانت "بي بي سي" بالنسبة لها، و"الفاينانشال تايمز" بالنسبة لي.
قالت إنها تحب وجودها من خلال عملها الجديد لحسابها الخاص، وإنها تشعر بالراحة أكثر من أي وقت مضى. والسبب، أنه لم يتبق لديها ذرة واحدة من الطموح. وبعد أن تحررت من القرد الذي يقف على كتفها ويدفعها إلى النجاح، صار بإمكانها الاستمتاع بمجرد العمل الذي كانت تقوم به لحسابها.
قلت إنني على العكس من ذلك، فقد كنت أدخل في العقد السابع من عمري، وطموحي أكثر مما كان عليه من أي وقت مضى. وبدأت في مدرسة جديدة في أيلول (سبتمبر) حيث سأقوم لأول مرة بتدريس المستوى الأول من مادة الاقتصاد، وكنت عازمة على القيام بعملي جيدا.
دفعتني هاتان المحادثتان إلى التفكير في كل من التلاشي وضرورة الطموح، وأن أتساءل عن المقدار الذي نحتاجه منه، وكيفية إيقافه عندما لا يعود مفيدا - وكيفية منعه من التأثير فينا.
السعي وراء السلطة أو المنصب أو المال
لقد نشأت على الاستخفاف بالطموح. فقد كان لدى والدي هذا الشك المتعجرف في النجاح العلني في بريطانيا في منتصف القرن الماضي، ولم يوافقا على السعي وراء السلطة أو المنصب أو المال. وكنت أسمعهما يقولان، "إنه شخص طموح جدا" - ما يعني أن الشخص المعني كان مجرد واثب يتخطى ويقفز بعيدا عن أن يصبح من مثل ماكبث.
وعندما كان الأمر يتعلق بمهنتي المبكرة كصحافية، كنت أقسم بأغلظ الإيمان أنه ليس لدي أي طموح على الإطلاق فيها، وأن أي تقدم أحرزه فيها كان يعود ببساطة إلى مجرد الحظ.
لقد غيرت رأيي منذ نحو 15 عاما عندما ذهبت وسألت كل الصحافيين الأكثر نجاحا في "الفاينانشال تايمز" عما إذا كانوا يعدون أنفسهم طموحين. حيث أجاب البريطانيون الأكبر سنا والمتفوقون في الغالب بالنفي، لكن البقية، كل الأمريكيين والصحافيين الأصغر سنا، قالوا نعم.
وفجأة، تراءى لي كم كان أسلوب النفور البريطاني القديم تجاه الكفاح الجلي مثيرا للشفقة. إن كل الأشخاص الناجحين طموحون. فإذا كنت راغبا في تحقيق أي شيء، خاصة في أي مجال تنافسي، فإنك لن تتقدم على الإطلاق دون الطموح.
وبصفتي الحالية كمدرسة، فإني لا أجد نفسي مؤيدة للطموح فحسب، بل مجبرة على تعليمه للأطفال. إن "التوقعات العالية" واحدة من ثمانية معايير حكومية للمعلمين التي يتوجب على كل معلم متدرب تقديم دليل على امتلاكها من أجل التأهل - والفكرة أن المعلمين يتوقعون أشياء عظيمة من كل طالب حتى يتمكن الطلاب من توقع أشياء عظيمة من أنفسهم.
وقبل نهاية الفصل الدراسي مباشرة، طلبت من تلاميذي في الصف كتابة ما يريدون فعله بقية حياتهم. حيث قال البعض إنهم يريدون كسب كثير من المال في المدينة ثم بدء أعمالهم التجارية الخاصة. وأراد آخرون أن يصبحوا جراحي أعصاب، ولاعبي كرة قدم محترفين، ورواد فضاء، وعلماء في الطب الشرعي. وقال أحدهم إنه يريد العودة إلى البلد الذي ينتمي إليه والداه وأن يصبح سياسيا حتى يساعد على وقف الحرب الأهلية هناك.
أردت أن أبتهج عندما بدأوا في النقاش حول طموحاتهم. فيا له من عمل رائع قامت به المدرسة وأولياء الأمور لجعلهم جميعا يطمحون إلى تحقيق أهداف عالية. ويا له من عمل رائع كنت أقوم به كمدرسة لمادة الاقتصاد.
ليكن طموحك عاليا ولكن في حدود المعقول
ولكن مع استمرار نداء الطموح هذا، بدأت أشعر بعدم الارتياح إلى حد ما. فقد أردت أن أقول، توقف عن ذلك يا تومي، لقد كافحت لمدة ثلاثة أعوام كي تتعلم الفرق بين التكاليف الثابتة والمتغيرة، لذلك أنا لست متأكدة من أن طموحك في أن تصبح مثل إيلون ماسك هو أمر واقعي بالنسبة لك.
ما ينجم عن هذا هو ثلاث أفكار. الطموح شيء جيد، ولكن يجب أن يكون متناسبا. فهذا لا ينطبق على تومي فقط، بل علينا جميعا - يجب أن نهدف إلى أعلى مستوى ممكن، ولكن في حدود المعقول. فإذا كان طموح والد صديقي أكثر منطقية "ولكن لا يزال عاليا" في أن يصبح عضوا في البرلمان، فلربما مات كرجل سعيد جدا.
والفكرة الثانية أنك إذا لم تحقق النجاح الذي تريده، فعليك أن تتخلى عنه بسرعة قبل أن تدمرك الرغبة. كان أخي يطمح إلى أن يكون عازف مزمار محترف. ومنذ سن الـ15، كان هذا كل ما يريده في الحياة، وعلى مدى عقد من الزمان فعل كل شيء من أجل تحقيق ذلك. ولكن عندما أدرك، في منتصف العشرينيات من عمره، أنه ربما لن تتلقفه لندن سيمفوني أوركسترا - أو أي أوركسترا على الإطلاق – بكل أسف وضع مزماره جانبا، وتخلى عن طموحه ثم عمل كسمسار في البورصة بدلا من ذلك.
أخيرا، أرى الآن أنني مخطئة بشأن نفسي مرة أخرى. فعلى عكس ما قلته لموراي، لم أعد طموحة بعد الآن. لقد بحثت عنه وهذا يعني "رغبة قوية في النجاح، أو الإنجاز، أو القوة، أو الثروة". ليس لدي حتى رغبة ضعيفة في ثلاثة منها، بينما أريد إنجاز ذلك كمدرسة للمستوى الأول، هذا لأنني لن أكون مفيدة لطلابي إذا لم أكن أعرف ما أفعله، وأنني نفسي لن أجد أي متعة.
أما وقد رحل عني الطموح الآن، فإني أرى مشكلة الطموح بوضوح أكبر. إن ذلك لا يعني أنه سيحولك إلى نسخة شرسة ومصرة من ماكبيث، ولكن السعي، بطبيعة الحال، يجعلك غير راض عن حياتك في الوقت الحاضر. والأسوأ من ذلك، أن جميع الأشخاص الطموحين حقا الذين أعرفهم، لم يكونوا راضين أبدا عن تحقيق الشيء الذي يحلمون به، فقد ابتكروا مجرد حلم أكبر من ذلك. وإني لأجرؤ على القول إنه لو وصل والد صديقي إلى مجلس الوزراء، لكان قد مات بالمرارة لأنه لم يصبح رئيسا للوزراء.
في النهاية كان غير عادي وسيئ الحظ أن يموت بينما لا يزال متمسكا بطموحه. فمن أعظم مباهج التقدم في السن هو الجانب المتضائل من الكفاح والحسد اللذين يميلان إلى الانحسار. سواء أكان ذلك بسبب تلاشي سحر النجاح والقوة والمال مع التقدم في السن، أو بسبب تضاؤل احتمالية تحقيق هذه الأشياء - لا يهم ذلك. لقد كانت موراي على حق، إن الحياة دون القرد أفضل بكثير.
* محررة مساهمة في "الفاينانشال تايمز" ومؤسسة مشاركة لـ"ناو تيتش" منظمة تساعد المهنيين ذوي الخبرة على إعادة تدريبهم كمعلمين.

