Author

أفغانستان وحرب الغرب على الإرهاب

|

ربما ليس هناك مصطلح في العصر الحديث جرى استغلاله لأغراض نفعية وخاصة واستراتيجية مثل مصطلح "الإرهاب" وما يرافق هذه المفردة من اشتقاقات وتسميات كثيرة منها "الحرب على الإرهاب". ورغم شيوع المصطلح وكثرة استخدامه على ألسنة الناس والساسة والإعلام، بقي مصطلحا مبهما، وفشلت كل المحاولات لوضع تعريف محدد له.
ومن هنا صار في إمكان أي دولة أو حكومة أو مؤسسة أو سياسي أو حتى باحث تفسير المصطلح، حسب وجهة نظره وضمن منطلقات يحددها الواقع الاجتماعي المحيط به.
ولكن الذي حدث أن مصطلح الإرهاب صار له مفهوم شامل في العقدين الأخيرين من القرن الـ21، فرضه الغرب نظريا وممارسة على العالم.
المفهوم الغربي حول "الإرهاب" و"الحرب على الإرهاب" انطلق من ثنائية غير محسوبة ومدروسة بعناية، مفادها نحن– الغرب– أخيار، وليس فينا من الشر شيء، والآخرون أشرار، لأنهم مصدر "الإرهاب" وإن "الحرب على الإرهاب" حرب عادلة.
لن أغوص في المواقف السياسية للغرب، وكيف جرى تطويع "الحرب على الإرهاب" لشن غزوات وغارات وهجومات على الدول العربية والإسلامية، والنتائج الكارثية، التي تمخضت عنها.
أي حرب شنها الغرب في العقدين الأخيرين بحجة محاربة "الإرهاب" كانت محصلتها وبالا، أولا على الشعوب والدول المستهدفة، وثانيا ومن حيث التبعات كان لها نتائج وخيمة على الغرب نفسه.
نظرة سريعة على الدول العربية والإسلامية، التي استهدفها الغرب بحجة "الحرب على الإرهاب" تظهر أن محصلتها ارتدت على الغرب نفسه، وألحقت كوارث بالشعوب والدول المستهدفة، ولنا في الذي يحدث حاليا في أفغانستان خير أسوة.
السؤال المحير والمهم، الذي يراود الباحثين والمختصين، وتتطرق إليه الصحافة الغربية بكثافة في هذه الأيام يدور حول إن كان الغرب سيتعلم درسا من الذي يقع الآن في أفغانستان من "هزيمة منكرة"– هذا حسب توصيف الصحافة الغربية للأحداث– لحربه على "الإرهاب" في هذا البلد.
لنكن واقعيين، فإن الغرب لم يربح أي حرب شنها بحجة "الإرهاب" في أي مصر من أمصار العرب والمسلمين في الـ20 عاما الماضية.
حرية الصحافة في الغرب، منحت الكتاب التقدميين تقديم جرد بالخسائر، التي لحقت بالغرب نفسه، والدول التي استهدفها تحت ذرائع محاربة "الإرهاب".
الخسائر المادية والبشرية كبيرة جدا، والحصيلة، التي جناها الغرب من هذه الحروب، والتي جرى فيها استخدام أحدث وأفتك الأسلحة تكاد تكون معدومة، هذا وفق ما نقرأه في الصحافة الغربية ذاتها.
للأمانة، لقد أبدع الأكاديميون الغربيون في محاولاتهم الحثيثة وأبحاثهم ودراساتهم في رفع الغشاوة عن العيون بخصوص "الحرب على الإرهاب".
هناك كم كبير من الأبحاث تتناول "الحرب على الإرهاب" من مضامير معرفية مختلفة، يحذر فيها العلماء الغربيون من مغبة وعواقب الحروب، التي دشنها الغرب في أمصار العرب والمسلمين في مستهل القرن الـ21.
ويأتي في مقدمتهم الفيلسوف الأمريكي الذائع الصيت ريجارد برنشتاين، حيث وضع النقاط على الحروف في كتاب شهير له، الذي يبرهن فيه مع دليل بعد آخر أن حرب الغرب على الإرهاب مفسدة في السياسة والدين، لأنها تستغل ما تراه أنه شر بطريقة غير حميدة، حيث تلصق "الإرهاب" بالشعوب العربية والإسلامية حصرا وتبرئ ساحتها من أي ذنب أو إثم أو مساءلة.
"الحرب على الإرهاب" كان ولا يزال لها ساحات غير ساحة الوغى، وهذه أخطر من جعجعة السلاح وعصف أمهات القنابل، التي تم تجريبها لأول مرة في هذه الحرب الخاسرة أصلا.
إنها معركة الخطاب، حيث شن الغرب حربا مادتها اللغة والتوصيفات والأطر الخطابية غير الحميدة والسلبية، التي صارت جزءا من الخطاب الإعلامي الغربي في توصيف العرب والمسلمين.
وكما يصفها برنشتاين، فإن حرب الخطاب أقسى وأوقع أثرا من حرب الوغى، لأن التوصيفات السلبية– وهي كثيرة وسطرت فيها كتب وأبحاث عديدة– رسخت في أذهان كثيرين في الغرب أن "الإرهاب"، وكأنه متأصل في الثقافة العربية والإسلامية، بينما التاريخ والواقع يشهد عكس ذلك.
وبدلا من البحث بجدية في السبب والأسباب الظاهرة والكامنة، التي تنتج "الإرهاب" في أي بقعة من الأرض، ألهى الغرب عن ذلك وتشبث بحروبه وغزواته وخطابه، الذي يصب الزيت على النار لافتقاره إلى النزاهة والإنصاف والعدالة.
"الحرب على الإرهاب" كما صاغها الغرب في ساحة الوغى وساحة الخطاب أتت بنتائج عكسية، وكان قد حذر من ذلك المؤرخ البريطاني الشهير مايكل هاورد، قائلا: إن المصطلح ذاته وصياغته خاطئة، لأنها منحت المجموعات الإرهابية ما كانت تصبو إليه من مكانة.
لقد صدق هاورد وصدق برنشتاين عندما حذرا من مغبة توصيف مجتمعات ودول بأكلمها وأديان كبيرة برمتها أنها مرتع للإرهاب وأن الإرهاب متأصل في ثقافتها.
ولكن لم يسمع لهما أحد، ولا غرابة أن يكون لما يحدث في أفغانستان وقع الزلزال على الغرب، ولا غرابة أن ترى أنه ليس هناك كثير من الحزن في الشرق على ما جناه على نفسه الغرب في حربه على "الإرهاب".

إنشرها