ريتشارد هاتشيت، وبكلماته، هو أحد الأشخاص القلائل الذين "صنعوا مهنة من القلق بشأن الجوائح". فبعد جائحة إنفلونزا الخنازير في عام 2009، ساعد الخبير في الاستجابة للأوبئة الذي كان حينها يعمل في البيت الأبيض، الحكومة الأمريكية على إنشاء مصانع أدوية جاهزة للعمل كخط دفاع ضد أي تهديد صحي في المستقبل.
ولكن إحدى هذه المؤسسات، التي تديرها شركة "إميرجينت بيو سولوشينز"، أصبحت عبئا في جائحة كوفيد -19. حيث تم إتلاف عشرات الملايين من جرعات لقاح "جونسون آند جونسون" عقب تلويثها بلقاح "استرازينكا". واكتشف المشرعون ظروفا غير صحية وموظفين غير مدربين. وتم إيقاف خط الإنتاج لأكثر من 100 يوم.
ويقول هاتشيت، "بطريقة ما، خلال عملية الحاجة إلى النمو والتوسع عند حدوث الأزمة، تعطلت أنظمة وضوابط الجودة الخاصة بهم ولم يعودوا قادرين على تقديم الشيء الذي تم إنشاؤهم لتقديمه".
لكن وأخيرا فإن القلقين من الجائحة مثل هاتشيت يحظون الآن بسماع السياسيين إلى آرائهم.
عند ظهور فيروس كورونا لأول مرة، شاهدت الحكومات انتشار النقص في الإمدادات الطبية الأساسية، وواجهت صعوبات هذا العام في الحصول على اللقاح حيث قامت الدول التي لديها بالفعل منشآت تصنيع - بما في ذلك الهند، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي - بنشر ضوابط تصدير لإعطاء الأولوية لإعطاء اللقاح لمواطنيها.
بعد أن شعرت بالاهتزاز من هذه التجارب، يرغب عديد من الحكومات في إحضار عمليات تصنيع الأدوية واللقاحات إلى دولها. ووسعت المملكة المتحدة طاقتها الإنتاجية لجرعات فالنيفا ونوفافاكس، وهي تجري نقاشات مع شركة "جلاكسو سميث كلاين" بشأن مشاريع التأهب. ويستخدم الاتحاد الأوروبي صناديق التنمية لتجديد الاقتصاد لتوسيع القدرة التصنيعية للأدوية، وأوصى البيت الأبيض بإصلاحات كبيرة. ويخطط الاتحاد الإفريقي إلى توسيع تصنيع اللقاحات إلى 60 في المائة من احتياجات القارة بحلول عام 2040.
ويريد هاتشيت، وهو الآن المدير التنفيذي لتحالف ابتكارات التأهب الوبائي، التأكد من أن صانعي السياسات تعلموا الدروس الصحيحة. إذا تعلموا، فسيستطيعون تحقيق طموح هذا التحالف ابتكارات التأهب الوبائي لصنع لقاحات جديدة خلال 100 يوم من ظهور مرض خطير، مختصرين بذلك ثلثي الوقت الذي استغرقه تصنيع لقاح كوفيد وإيقاف الجائحة بينما لا تزال في مرحلة "التفشي الأولي".
ولكن، أثبتت المشكلات في مصنع شركة "إميرجينت" أنه من الصعب إنشاء مصنع احتياطي، جاهز للعمل، وأن من الأصعب حتى وضع خطة شاملة لأزمة جديدة.
أخذت الحكومات تتعلم مدى تعقيد عملية إنشاء مرافق تصنيع يمكنها الاستجابة بشكل سريع وآمن لمرض لم يكن معروفا من قبل. علاوة على ذلك، هناك الخطر المتمثل في محاولات فك سلسلة التوريد العالمية التي يمكن أن تزيد من ترسيخ عدم المساواة في توريد اللقاحات، من خلال تركيز القدرات بشكل أكبر في الدول الأغنى.
ويقول هاتشيت، "ما يقلقني أنه على الرغم من أهمية توسيع طاقتنا، من المهم أيضا أن نقوم بذلك بشكل صحيح، لا أعتقد أن هناك جوابا واضحا لكل دولة أو لكل قدرة".
سلاسل التوريد المعقدة
بينما تركت القيود المفروضة على السفر خلال الجائحة كثيرا من الأشخاص عالقين في دولة واحدة، كانت مكونات اللقاح ومعدات تصنيعه تجوب الحدود إيابا وذهابا. ويوجد في لقاح فايزر وحده أكثر من 280 مكونا تأتي من 19 دولة مختلفة.
عندما كانت المملكة المتحدة تبحث تأمين إمداد محلي للقاح كوفيد، كانت إحدى محطاتها الأولى شركة فالنيفا، صانعة لقاحات فرنسية لديها مصنع في ليفينغ ستون، اسكتلندا. لقد استثمرت الحكومة في توسيع عمليات تصنيع لقاح كوفيد والأزمات الصحية المستقبلية. وقال توماس لينغلباش، المدير التنفيذي لشركة فالنيفا، أنهم ربحوا العقد جزئيا لأنهم كانوا يملكون "بعض مزايا الوجود على أرض الوطن".
لكن حتى إن تمت الموافقة على لقاح فالنيفا في الوقت المناسب لاستخدامه في حملة إعطاء جرعة تعزيزية، فيجب شحنه إلى السويد أولا ليتم وضعه في قوارير. ويقول، "إلى الآن، لا نرى [ضوابط التصدير التي تؤثر في الإنتاج] كخطر. ولكنها بالطبع خطر، ليس بالضرورة اليوم ولكن قد تصبح خطرا مع تقدمنا"، موضحا أن فالنيفا تبحث عن مرفق "تعبئة وتشطيب" في المملكة المتحدة.
لقاح فالنيفا ليس الوحيد على الإطلاق، لا يتم تصنيع أي لقاح من البداية حتى النهاية في مصنع واحد، أو حتى في دولة واحدة. ويقول توماس كويني، المدير العام للاتحاد الدولي لرابطة صانعي الأدوية، إن هذه التعقيدات السبب في عدم توقعه "لإعادة توطين دراماتيكية، وجذرية". تفضل الصناعة أن تركز الحكومات على أبطال حواجز التجارة.
ويقول، "إنه شبه مستحيل. ولهذا السبب أنت تحتاج إلى التدفق الحر للبضائع والتجارة المفتوحة".
يشعر الخبراء بالقلق من أن ينتهي الأمر باختيار الحكومات للتقنيات الخاطئة، أو دعم الشركات التي لا تستطيع مواكبة الابتكار. قبل أن يصبح لقاح كوفيد أول منتج يستخدم تقنية "آر إن أيه المرسل" التي تمت الموافقة عليها، لم تستثمر أي حكومة في الطاقة الإنتاجية غير المستغلة لتقنية "إم آر إن أيه".
ويقول براشانت ياداف، خبير سلاسل التوريد في مركز التنمية العالمية، إن أحد مشكلات شركة إميرجينت كانت في الأغلب أنها تستخدم "تقنيات قديمة".
ويضيف، "ما لم يستثمر شخص ما في طاقة شديدة المرونة، مع وحدات يمكن إعادة تكوينها بسرعة نسبيا... فإن فرص عدم التوافق مع أحدث التقنيات ستكون عالية للغاية".
تمكنت شركة إميرجينت من إنتاج 75 مليون جرعة معتمدة. وقالت الشركة إن تصنيع اللقاح كان "عملية شديدة التعقيد، بوجود عدد قليل من المرافق القادرة على فعل ذلك عند بدء الجائحة"، ولكن اعترفت أن العملية لم تسر بالشكل المخطط له.
وقالت الشركة، "ينبغي أن يكون لدى الشعب الأمريكي توقعات عالية تجاه الشركاء الذين اختارتهم حكومتهم للمساعدة على التأهب لكارثة. لم نكن على قدر التوقعات، بما في ذلك تلك التي وضعناها لأنفسنا. وعلى الرغم من ذلك، فقد تعلمنا بعض الدروس المهمة التي تسمح لنا بتحسين عملياتنا، وفي الوقت نفسه، تعزيز استجابة الصحة العامة الأمريكية في المستقبل".
تدرس الحكومات كيفية إبقاء المصانع قيد التشغيل عن طريق صنع منتجات أخرى في ما يسميه بعض الخبراء بشكل مثير للقلق "فترة ما بين الجوائح". ويقول دارين موريسي، الرئيس التنفيذي للمعهد الوطني الأيرلندي لبحوث المعالجة الحيوية والتدريب، وهو جهد مدعوم من الحكومة لتثقيف الموظفين المهرة، إن الشركات لم تكتشف بعد كيفية إبقاء المرافق "نسبيا قيد التشغيل"، وعدد كاف من الموظفين في الغالب علماء مختصون جاهزون للعمل.
ويوضح أن الموهبة شيء معقد بالقدر نفسه، "إذا وظفت شخصا جديدا، يبدأ في مجال الأدوية الحيوية، فمن المحتمل أن يمضي عام على الأقل قبل أن يصبح جاهزا للعمل بشكل كامل".
تأمين الأدوية الأساسية
بينما تصدر تأخر وتعطيل تصنيع اللقاح عناوين الصحف هذا العام، كانت الحكومات تشعر بالقلق بشأن تعزيز إمدادات الأدوية الأكثر بساطة، حيث كشفت الزيادات الحادة في دخول حالات كوفيد للمستشفيات عن مدى ضآلة معرفة الحكومات بسلاسل التوريد.
وتدفع فرنسا لإعادة إنتاج دواء الباراسيتامول، الذي تم تخفيض إنتاجه في الأزمة، ولديها قائمة من 30 دواء انتهت براءات اختراعها ترغب في تصنيعها محليا. وحذر تقرير حديث من البيت الأبيض، يدعو إلى مزيد من الاستثمار في تصنيع هذه الأدوية، من أن نيويورك في ذروة الأزمة حيث تتحارب المستشفيات مع بعضها لتأمين الأدوية المهمة كل يوم.
وتقول سومي ساها، نائبة مدير قسم المناصرة في شركة بريمير، التي تمثل أكثر من أربعة آلاف مستشفى في الولايات المتحدة، إن الافتقار للشفافية يعني أن المستشفيات تقوم الآن "بالشراء بدافع الذعر" من أجل المرحلة المقبلة من الجائحة.
وتقول، "لا أحد يعلم ما يوجد على الأرض الأمريكية في أي وقت من الأوقات". وتضيف ساها أن شركة بريمير "تدق نواقيس الخطر" بشأن هذه المشكلة منذ عقد. وتقول، "نرغب في أن نكون حريصين بشدة على ألا ننسى ما حدث خلال الـ12 شهرا الماضية، وأن نعود للوضع الراهن".
تؤمن صناعة الدواء أنه من غير المرجح لاستثمارات المرة الوحدة أن تكون كافية بحجة أن الحكومات يجب أن تكون على أتم الاستعداد، لدفع مزيد مقابل الأدوية التي انتهت براءات اختراعها، التي في الأغلب ما يتم تصنيعها في الخارج لتقليل التكاليف.
ويوضح إيرك إدوارد، المدير التنفيذي لشركة فلو - شركة أدوية ذات منفعة عامة مكرسة لإنشاء إمدادات موثوقة من الأدوية ولديها عقد حكومي أمريكي بقيمة 354 مليون دولار لتصنيع الأدوية التي انتهت برءات اختراعها محليا - أن "السباق إلى القاع" لمدة 20 إلى 30 عاما أدى إلى وضع تكون فيه "الأدوية الأكثر أهمية" بالكاد مربحة، أو لا تدر أي ربح على الإطلاق. ويضيف، "هذه مشكلة معقدة تم خلقها على مدى عقود من الزمن، وليس بين عشية وضحاها".
يقول أدريان فان دين هوفن، المدير العام لاتحاد صناعة الأدوية في أوروبا، إن "حسابا" مشابها للأسعار أمر مطلوب في الاتحاد الأوروبي. ويضيف، "الحقيقة أن الأسعار منخفضة للغاية هنا بسبب سياسة الحكومات. من الصعب الحفاظ على المصانع التي لدينا في أوروبا".
تصنيع على طراز إيكيا
يعلق البعض آماله على تقنيات حديثة، وأكثر ذكاء. تقول كيت أنتروبوس، مديرة الاستثمار في شركة "يونيفيرسال سيلس"، إن الحل لتأمين مزيد من اللقاح وتصنيع الأدوية الحيوية هو أمر بسيط، "أسلوب مطبخ إيكيا"، مرافق تصنيع قابلة للتكيف التي صنعتها الشركة البلجيكية لتتسع لها حاويات الشحن. تأسست بعد تفشي إنفلونزا الخنازيرH1N1، وتقول إن شركة "يونيفيرسال سيلس" تشهد الآن "تغييرا جذريا" في كيفية تفكير المنظمات الصحية العالمية والحكومات بشأن الإنتاج.
وتوضح، "يمكن أن يتعامل التصنيع المعياري المرن مع عدم اليقين، وهو ما يعنيه بالفعل التأهب للجائحة".
بينما تصر شركات الأدوية الكبرى على أن الحجم مهم، يحاول جيل جديد من الشركات توفير مرافق أصغر يمكن توزيعها حول العالم.
إن أكثر تقنيات اللقاح مرونة حتى الآن "إم آر إن أيه" لأن العلماء يمكنهم تحديث جرعات اللقاح وإنشاء أخرى جديدة ببساطة عن طريق إدخال رمز جيني جديد. وتعمل شركة "بيو أن تيك"، التي اشتركت مع شركة فايزر من أجل لقاح كوفيد، والاتحاد الأوروبي يعملان على إنشاء مرافق "إم آر إن أيه" في إفريقيا، على الرغم من اعترافهم بأن معظم المراحل الفنية ستستغرق نحو أربعة أعوام للتنفيذ. وتعمل شركة "كيو فاك"، وهي شركة تقنية حيوية ألمانية أخرى، مع وحدة من شركة تسلا، وهي شركة السيارات الكهربائية والطاقة النظيفة، على ما تسميه "طابعات اللقاح"، وهي وحدات صغيرة يمكنها إنشاء جرعات "إم آر إن أيه" الخاصة بها.
ومع ذلك، فقد ثبت حتى الآن أن "إم آر أن أيه" يعمل فقط مع كوفيد. يقول راؤول سينغفي، وهو المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة "ريزيليانس"، وهي شركة جديدة تهدف إلى تحسين تصنيع العلاجات المتقدمة، إنها "لن تكون الحل لكل شيء".
ويقول، "الأسلوب المثالي مرفق متعدد الأساليب، يشبه سكين الجيش السويسري. ولكن، لا يستطيع الجميع تحمل تكلفة شيء مثل هذا".
يدرك بعض قادة العالم الآن أنهم يتحملون بعض المسؤولية للمساعدة على معالجة عدم المساواة في الحصول على اللقاحات. وتدفع إدارة بايدن صانعي اللقاحات في الولايات المتحدة إلى دعم إنشاء مراكز تصنيع منخفضة التكلفة لإتاحة منتجاتهم بتكلفة أقل في دول العالم النامي. وأنشأت منظمة الصحة العالمية مركز "إم آر أن أيه" لتوسيع قدرة الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل على صنع لقاحات كوفيد.
لكن كلا الاقتراحين يعتمد على تعاون الصناعة في وقت تقاوم فيه بشدة اقتراحا للتنازل عن حقوق الملكية الفكرية بهدف توسيع الوصول للقاحات في الدول الفقيرة ومتوسطة الدخل.
وسواء كانت المصانع خفيفة الوزن أو كسكين الجيش السويسري، فستظل تعتمد على إمدادات المكونات الصيدلانية النشطة، التي يأتي نحو 80 في المائة منها من الصين والهند. وتبحث الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي في جلب مزيد من تصنيع المكونات الصيدلانية الفعالة إلى دوله، مع تخزين تصنيع المكونات الصيدلانية الفعالة أيضا لأن المكونات لها عمر تخزين أطول من المنتجات النهائية. حتى هذه الاقتصادات الكبيرة قد لا تكون قادرة على القيام بذلك بمفردها، يشير تقرير البيت الأبيض الأخير إلى العمل مع الحلفاء لضمان أن تكون إمداداتهم معا شاملة.
ياداف، خبير سلسلة التوريد في مركز التنمية العالمية، يشير إلى أنه على المنظمين إجراء "اختبارات الإجهاد" على تصنيع الأدوية واللقاحات، كما يفعلون مع البنوك.
ويقول، "في صناعة الأدوية، يمكنك رؤية سيناريوهات مشابهة، ماذا لو تعطلت إمدادات الهند أو الصين تماما؟ هل لا يزال بإمكانك التوريد وكيف ستفعل ذلك؟"، "هذا النهج يحقق الهدف النهائي دون أن يصبح جائرا للغاية بشأن الإصرار على وجوب إجراء التصنيع على الأراضي الأمريكية".
عدم المساواة في اللقاحات
على الرغم من كونه مصدر قلق احترافيا نادرا للوباء، يقول هاتشيت إنه لا يعرف حتى الآن بالضبط الدروس التي يجب تعلمها من الارتباك الذي وقعت فيه شركة إميرجينت. لكنه يعتقد أن أهم شيء أن يستغل صانعو السياسة هذه الفرصة للبدء بـ"صفحة بيضاء".
وبصفته كبير الداعمين الثلاثة لمبادرة كوفاكس لتوزيع اللقاحات على الدول النامية، رأى "عدم مساواة رهيب" في كيفية توزيع جرعات لقاح كوفيد.
ويقول، "في الوقت الحالي، يتركز التصنيع في الولايات المتحدة وأوروبا والهند والصين، وهذه كلها أسواق ضخمة ستستوعب كثيرا من اللقاحات قبل أن يشاركوا أيا منها".
ويعتقد أنه يجب أن يكون هناك "توزيع أكثر إنصافا لقدرات التصنيع" وهو يدعم الاستثمارات الإقليمية وإبرام معاهدة خاصة بالجائحة أو إطار عمل دولي حيث تستخدم الدول الأكثر ثراء نفوذها لدى شركات الأدوية لتزويد العالم.
وأضاف هاتشيت، "زيادة الاستثمار الكلي أمر جيد. لكن هناك جانب سلبي محتمل. نحن بحاجة إلى بذل كل ما في وسعنا حتى لا يؤدي ذلك إلى زيادة القومية... لكن فكر في الأمر على أنه طبقة من الاستثمار في الأمن الجماعي".


