Author

أين آثار المنافسة في قطاع الطيران الداخلي؟

|
هناك آثار مختلفة ومتعددة نتيجة جائحة كورونا، من أشهرها التأثير الواضح في شركات الطيران، فنظرا إلى الإجراءات الاحترازية التي طبقتها الدول والحجر الصحي، توقفت الرحلات السياحية بين الدول، بل رحلات العمل أيضا، وهذا أثر بشكل لا مثيل له في تاريخ صناعة الطيران والإيواء والسياحة. ووفقا لتقارير دولية مختلفة، تراجعت السياحة الدولية بنسبة تتجاوز 70 في المائة في 2020. لكن للحقيقة، فإن الآثار السيئة على شركات الطيران ليست بهذا السوء إطلاقا.
فالسياحة الداخلية في معظم الدول كانت تحقق نتائج جيدة حتى قبل الجائحة، وجزء كبير من الدخل السياحي يأتي منها، سواء في الاتحاد الأوروبي أو الولايات المتحدة، وقد شكل التنقل الداخلي 86 في المائة من إجمالي نفقات السفر في عام 2019 وفقا لعدة تقارير دولية. وقد حققت السياحة الداخلية في المملكة قفزة تاريخية في عام 2020 تجاوزت 50 مليارا، بينما كانت في حدود 40 مليارا في 2019. وعلى كل حال، فإن 40 مليارا تشير إلى أن صناعة السياحة في المملكة تعد صناعة مزدهرة، فهي تسهم في 3 في المائة تقريبا من الناتج المحلي الإجمالي، وهي الجاذب الأكبر للعمالة في القطاع الخاص، حيث تستقطب أكثر من 600 ألف موظف. كل هذا يجعل قطاع السياحة الداخلية في المملكة سوقا كبيرة قادرة على تعويض التراجع في الأرباح الناتجة عن تعطل السفر الدولي، بل لعلي لا أجانب الصواب أن أحد أسباب تراجع المنافسة الدولية لشركات الطيران المحلية هو تلك الجاذبية الكبيرة للطيران المحلي، وحالة الهيمنة التي تحظى بها خدمات السفر في مواسم العمرة والحج، وهذا يجعلها كسولة جدا في المنافسة الدولية، بل حتى في جودة خدمات السفر داخليا.
لعلي أذكر الجميع هنا بأنه لا ضمان للجودة إلا المنافسة، ودع عنك كل ما يقال من شهادات واختبارات ولوحات. وقد دافعت الرأسمالية والأسواق الحرة والتجارة العالمية عن وجودها وقوتها على الساحة الدولية، وهيمنت على الأفكار الاقتصادية حتى الآن بسبب حجة المنافسة وقدرتها على ضمان الجودة، ضمن القاعدة الاقتصادية الشهيرة "البقاء للأصلح"، وقد انهارت الشيوعية تماما على الرغم من براعة التنظير الذي استندت إليه، لأنها فشلت عمليا في تحقيق الجودة والحياة الكريمة للإنسان، حيث ألغت مفهوم الأسواق الحرة وحرية الإنسان في الاختيار، فتم تدمير المنافسة، وبذلك أصبحت الجودة مجرد شعارات، وهذا ما أحذر منه دوما، وهو أن تتحول الجودة "وقد تحولت فعليا" إلى شعارات، ولوحات مدرسية تجدها في الممرات.
قدمت فكرة المنافسة وقدرتها على ضمان الجودة، التبريرات الكافية لانطلاق تجربة التخصيص في أوروبا على يد تاتشر في الثمانينيات بعد أن اتضحت صعوبة تحقيق دولة الرفاهية التي تبناها بسمارك الألماني، فدولة الرفاهية المبنية على تقبل بعض مفاهيم الاشتراكية للحد من ثورات العمال وأحلام الشيوعية، واجهت صعوبات جمة في تقديم الخدمات التي تم تأميمها، حيث افتقدت الجودة والتحسين المستمر بسبب ضعف المنافسة، وإيجاد بيئة تنافسية محفزة للجودة يتطلب خصخصة الخدمات ونقلها للقطاع الخاص. هكذا كانت الأفكار الرئيسة، فالمبادئ العامة للتحول من القطاع العام للخاص ليست مشكلة إدارية كما يحلو للبعض تصويرها، بل يجب أن يتضمن تطبيقا صارما لمفهوم المنافسة إذا كنا نريد ضمان الجودة، وإلا فإن ما سيتحقق هو نقل إدارة الأصول وتكلفتها من القطاع العام للخاص. نعم، ستتجنب المالية العامة هذه التكاليف وتنخفض المصروفات، لكن في المقابل لن يتحسن الأداء العام للقطاع المستهدف وستبقى الخدمات عند المستويات نفسها إذا لم تكن أسوأ، خاصة أن القطاع الخاص يعظم الأرباح دوما من خلال تخفيض التكاليف وليس تعظيم المبيعات. لذلك، فإن أخطر ما يواجه مشاريع الإصلاح الاقتصادي وتجارب الخصخصة، عدم استكمال خطواتها الأساسية من خلال ضمان المنافسة وفتح الأسواق للداخلين الجدد، وإزالة المعوقات كافة حتى الدعم.
في السوق التنافسية، وعند أي مستوى منها، تعمل الشركات على تجنب إظهار قدرتها على تحقيق أرباح غير عادية، فتعمل جاهدة على عدم لفت الانتباه من خلال تجنب رفع الأسعار مهما كان حجم الطلب وتذهب بعيدا في مواجهته من خلال رفع مستويات الإنتاج في المواسم التي يرتفع فيها الطلب بشكل لافت، وفي مجالات أخرى تسعى إلى صنع شركات منافسة، تضمن السيطرة الكاملة على أصولها وأرباحها، وكل ذلك في مسعى إلى تجنب دخول منافسين للسوق، نظرا إلى أن الجاذبية الكبيرة فيها ضعف معوقات الدخول. وخلاصة كل هذا أن المنافسة الحقيقية تضمن الجودة وتضمن مستويات سعرية معقولة، وفي المقابل، فإن ارتفاع الأسعار بشكل لافت جدا وإصرار الشركات على رفع الأسعار بصورة تضخمية، مع عدم رفع السعة الإنتاجية ومقابلة الطلب وبقاء مستويات الجودة منخفضة، يقدم دليلا لا لبس فيه على وجود خلل في المنافسة، وأن تم ادعاؤها فإنها ظاهرية فقط، وبشكل لا يسهل دخول الشركات المنافسة.
من هذا كله، ومع الأسف، وكما تابعت شخصيا، فإن قطاع الطيران المحلي لدينا يواجه هذه الظاهرة، فمع تنامي قطاع السياحة الداخلية في المملكة والقفزة التاريخية كان لا بد من تحسن خدمات الطيران محليا وجودة الخدمات والسعة وعدد الرحلات، لكن لم يحصل غير حالة واحدة، وهي رفع أسعار التذاكر باستمرار، هذا إذا وجدت الرحلة ابتداء. والسؤال الذي يجب طرحه حول هذه الظاهرة ومع تعدد خطوط الطيران، هو أين آثار المنافسة؟ لماذا لم تتحسن جودة الطيران، سواء عند الحجز أو توفير المقاعد أو الاستقبال في المطار أو الطائرة، أو حتى في مساحة الكرسي أو الوجبات والترفيه أو حتى التوقيت أو خدمات ما بعد البيع وإلغاء الرحلات؟ أين آثار المنافسة؟ هذه الأمور إلى جانب هيكلة القطاع، تتطلب تدخل هيئة المنافسة والهيئة العامة للطيران المدني لفهم هذه الظواهر الاقتصادية غير المواتية وحلها.
إنشرها