Author

اللغة العربية وخطر الرموز التعبيرية

|
قبل عامين ونيف العام كتبت رسالة إلكترونية من نحو 300 كلمة إلى أحد معارفي، فيها صرفت جهدا كبيرا ووقتا ثمينا لحساسية الموضوع، حيث استثمرت ملكتي اللغوية للتأثير في صاحبي هذا.
وانتظرت الجواب بلهفة، لأن الرسالة كانت تخص قضية مهمة، وتوقعت أن صاحبي سيحاول البرهنة أن ملكته في الكتابة إن لم تبز ما لدي فهي في أقل تقدير متقاربة، ومن ثم سيسعى إلى محاورتي في النقاط التي أثرتها.
وخاب ظني. الجواب أتى سريعا، حيث اقتصر على رموز: الأول لوجه مبتسم مع عينين على شكل قلب، والثاني ليد، الإبهام والخنصر فيها مرفوعان والبنصر والوسطى والسبابة مشدودة على الراحة، والثالث ليدين مضمومتين.
لم أستوعب الجواب، لأنني حتى الآن لم استخدم أو أتعامل مع رموز تعبيرية مثل هذه. فهرعت إلى "جوجل" باحثا عن معاني الرموز الثلاثة.
وكانت دهشتي كبيرة، حيث اكتشفت أن هناك معجما للرموز التعبيرية في الإنجليزية وهناك الآلاف منها وهناك أبحاث ودراسات أكاديمية تتناول دورها في الاتصال والتواصل بين البشر.
ما هدأ روعي كان أن الرموز الثلاثة التي تلقيتها تحمل بصورة عامة مضامين إيجابية، بمعنى أن رسالتي جعلت صاحبي يبتسم ويرفع يده شاكرا ومثنيا. غير هذا لم أعرف ماذا دار في رأسه بعد قراءته رسالتي التي لا بد أن مكنته من معرفة ما دار في رأسي حول موضوع الخلاف بيننا.
الرموز التعبيرية دخلت معترك التواصل الرقمي من أوسع الأبواب، حتى نهاية عام 2020 كان هناك نحو أربعة آلاف صورة أو رمز كل واحد منها يحمل دلالة محددة.
وتسهم الأجهزة الرقمية في استخدامها. والأجهزة الرقمية، التي صارت جزءا من كياننا، تمكننا من الوصول إلى هذه الرموز رقميا بيسر يساوي سهولة الوصول إلى مفتاح الأحرف الأبجدية لغرض كتابة رسالة نصية.
وما يشجع على استخدامها وبكثافة في التواصل الرقمي هو أن الأجهزة الصغيرة الذكية التي نملكها اليوم في إمكانها قراءة الرسالة التي تصلنا ومنحنا بسرعة مذهلة الخيارات الملائمة للرد الموائم.
لا أريد الغوص في تقنية الرموز التعبيرية التي صارت جزءا مكملا للتواصل والحوار الخوارزمي في عالم اليوم. ما يهمني في هذا المقال هو إن كانت الرموز هذه، ستزيد لسان الضاد ثراء أم فقرا.
وأنا أكتب هذا المقال، أوردت الصحافة الغربية خبرا مفاده أن الجهة الدولية التي تعنى بشؤون الرموز التعبيرية وتنظيمها ونشرها على وشك إصدار مجموعة جديدة من الرموز وتعميمها.
ما نستشفه من هذا الخبر، أن هناك محاولة حثيثة وجدية لعولمة الرموز التعبيرية، وقد حققت نجاحا باهرا، حتى الآن في أقل تقدير. الرموز تقريبا هي ذاتها لدى آلاف الملايين من البشر من مستخدمي الأجهزة الخوارزمية الذكية، ومن ثم هناك عولمة للدلالات والمعاني التي تعكسها هذه الرموز.
والرمز، أي رمز، يستقي دلالاته من محيطه وثقافته والبيئة التي ينشأ فيها. أجزم أن هذه الرموز لو استنبطها العرب المسلمون لكان شكلها مختلفا ودلالاتها كذلك.
قد لا يكون هناك مفر من دخول هذه الرموز معترك التواصل الخوارزمي الذي صار عماد التواصل في عالمنا هذا، بيد أن تأثيرها في الكتابة بأي لغة كانت صار محسوسا في أكثر من مضمار.
في الآونة الأخيرة، لاحظت دخول هذه الرموز في التواصل الخوارزمي بين الأكاديميين، وكذلك دخولها، ولو بشكل محدود حتى الآن، بعض الأساليب والأجناس الصحافية.
ويخطئ الباحثون القول إن الرموز التعبيرية هذه سينحصر استخدامها في الكتابة. الذكاء الاصطناعي يتقدم بخطوات واثقة وسريعة ومذهلة، وربما لن يمضي وقت طويل حتى نرى فيه أنفسنا لسنا بحاجة ماسة إلى مفاتيح الأحرف الهجائية في أجهزتنا الرقمية، كل ما سنحتاج إليه سيكون نطق ما نريد إيصاله وقد يقفز كثير من هذه الرموز أمام أنظارنا لانتقاء رمز قد يغنينا عن عشرات أو أكثر من الكلمات.
وللعلم، فقد تم نقل (ترجمة) رواية للكاتب الأمريكي الشهير هرمان ملفيل إلى الرموز التعبيرية. لا علم لي كم شخص في استطاعته قراءتها، لكن يبدو أننا مقبلون على ثورة في عالم اللغة ستدشنه الرموز التعبيرية هذه.
ولا علم لي إن كان العرب قد فكروا في تأثير هذه الثورة في لسانهم. قد لا أجافي الحقيقة إن قلت إن اللغة العربية هي بمنزلة العمود الفقري للعرب حضارة وهوية وثقافة، ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
ماذا ستحدثه ثورة الرموز التعبيرية من تأثير في العربية، هذا شأن قد لا نعرف كنهه الآن لكنه آت. أما - لا سمح الله - إن أقفرت وأفقرت الرموز التعبيرية لسانهم، فهذا شأن مثل الكتابة على الحائط لأن نتيجته حتمية وهو طمس هويتهم وحضارتهم وثقافتهم.
أقترح على مجامع اللغة العربية في أمصار العرب دراسة الأمر بعناية وجدية خشية أن تأتي الثورة الخوارزمية على أهم وأثمن ما يملكون وهو لسانهم.
إنشرها