Author

تعاون دولي للنمو العالمي

|
"نحن قلقون من تهديد متحورات كوفيد - 19، لانتعاش الاقتصاد العالمي"
جانيت يلين، وزيرة الخزانة الأمريكية

الأمور ليست سوداوية فيما يخص الاقتصاد العالمي، لكن هناك محاذير لا بد من أخذها في الحسبان. الجميع يتحدث عن تهديدات متحورات فيروس كوفيد - 19 لمسيرة التعافي العالمي، خصوصا في ظل مسيرة عمليات التطعيم المتفاوتة حول العالم. ففي حين لا تتجاوز نسب التطعيم في القارة الإفريقية 3 في المائة، إلا أنها بلغت في أوروبا أكثر من 42 في المائة. هذا يظهر حقيقة أن التنسيق الدولي في هذا المجال لا يزال دون المستوى المطلوب رغم أن الدول المانحة، رصدت الأموال لدعم حراك التطعيم في الدول الفقيرة، بل إن البنك الدولي رصد 50 مليار دولار لإيصال اللقاحات إلى المناطق التي تحتاج إليها، ويصعب عليها الوصول إليها. لكن في النهاية، تسهم وتيرة التطعيم الحالي في دعم الحراك الاقتصادي العالمي بمستويات متفاوتة أيضا.
التفاوت في الانتعاش والتعافي لا يوفر الضمانات اللازمة للاقتصاد العالمي بالطبع، لأن هذا الأخير صار منذ أعوام مترابطا جدا، حيث إن التداعيات التي تحصل في طرف ما من هذا العالم، تؤثر في الأطراف الأخرى. من هنا، لا بد أن يصل التعاون الدولي إلى أعلى مستوياته؛ ليس فقط في تمكين الساحة من التطعيم، بل بناء منظومة دفاعية ضد المتحورات التي تظهر هنا وهناك. فإدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن، تحذر بصورة يومية من متحور دلتا الذي ينتشر في عدد من الولايات، فضلا عن المتحورات التي تظهر على الساحة الأوروبية، وتلك التي بدأت تنتشر في دول مثل الصين والهند.
هذه الحال، تتطلب من الحكومات حول العالم بدء فرض الجرعة الثالثة من اللقاحات على مواطنيها. لكن بصرف النظر عن التفاعلات الحالية على صعيد جائحة كورونا، المؤشرات كلها تدل على أن الاقتصاد العالمي تخلص من الانكماش الذي ضربه طوال العام الماضي. وهذا يعني أنه دخل دائرة التعافي بصرف النظر عن سرعته. وبحلول نهاية العام الجاري سيستكمل هذا الاقتصاد مرحلة التعافي التي وصفها البنك الدولي بأنها ستكون الأقوى منذ 80 عاما. وإذا ما نجح العالم في معركة التطعيم، سيزيل عام التعافي الآثار التي جلبها عام الجائحة بالشكل المأمول. غير أن هذا لن يكون مضمونا مرة أخرى إلا بتعاون دولي قوي، بصرف النظر عن تضارب المصالح التي يشهدها العالم منذ أعوام، ووصلت إلى حد نشوب معارك تجارية حتى بين الحلفاء، ومن المفارقات أن فيروس كوفيد - 19 فرض هدنة بين المتعاركين، من فرط خطورته على الجميع.
مرة أخرى، الانتعاش الاقتصادي القوي المتوقع بنهاية العام الحالي، سيكون بالطبع متفاوتا. والظاهر على الساحة حاليا أن الاقتصادات الكبيرة ستسجل نموا أقوى مما ستسجله الاقتصادات النامية. وهذا الاستنتاج توصل إليه البنك الدولي وأيده صندوق النقد الدولي. ولا شك أن اقتصادي الولايات المتحدة والصين سيقودان النمو القوي المشار إليه. فهذا الاقتصادان تمكنا من الخروج من حالة الانكماش بصورة أسرع من بقية الاقتصادات الكبيرة، بما فيها الأوروبية. وسواء حقق النمو العالمي 5.6 أو 6 في المائة بنهاية العام الجاري، فالنسبة ستكون مرتفعة حقا، وضرورية لتعويض فترة انكماش كانت طويلة. دون أن ننسى أن الفترة المشار إليها شهدت تدخل الحكومات حول العالم لإسناد اقتصاداتها عبر رفع مستوى مديونياتها السيادية. ولا تزال حزم الدعم حاضرة على الساحة، التي من المتوقع أن تنتهي في أغلب الدول التي اعتمدتها بنهاية الصيف الحالي.
غير أن النمو القوي في الاقتصادات الكبيرة، سيدفع رغم التفاوت إلى الأمام النمو الأقل قوة في الاقتصادات النامية. لماذا؟ لأن مستويات الطلب الخارجي سترتفع بالتأكيد بفعل النمو المتسارع، في حين ستزيد أسعار السلع الأولية، ما يرفد الاقتصادات النامية بقوة دفع ضرورية في هذا الوقت أكثر من أي وقت مضى. لكن في النهاية، لا بد أن تعود عجلة الاقتصادات الوطنية حول العالم للعمل بكامل طاقاتها، وعدم الاضطرار إلى إعادة الإغلاق الكامل أو الجزئي، كما حدث مثلا في أستراليا ونيوزيلندا وغيرهما من الدول الأخرى. حتى في بعض الدول الأوروبية تركت الحكومات هناك الباب مفتوحا نحو إغلاق اضطراري طارئ. فالمسألة مرة أخرى تتعلق بمدى نجاح التعاون الدولي في عمليات التطعيم، وفي مقدمتها إيصال اللقاحات إلى الدول التي تحتاج إليها بأسرع وقت.
في النهاية، كل درجة إضافية على مؤشر النمو، هي قوة دفع كبيرة على صعيد تكريس حالة التعافي للاقتصاد العالمي. فاقتصاد الصين سيسجل - وفق التوقعات بنهاية العام الجاري - نموا بنسبة 8.5 في المائة. حتى لو أخرجنا هذه النسبة من المعدل العام للاقتصاد العالمي، فإن هذا الأخير سيحقق نموا لا يقل عن 4.4 هذا العام. وهذا أيضا مستوى جيد، بعد فترة عصيبة عاشها العالم، ولايزال يعيش تداعياتها، وربما سيشهد تفاعلات سيئة أخرى جديدة لها، إذا لم تتم السيطرة على هذه الجائحة التي فاجأت البشرية جمعاء.
إنشرها