Author

الآثار المرتقبة لتراجع التمويل على السوق العقارية

|

أظهر أحدث بيانات البنك المركزي السعودي، حزيران (يونيو) 2021، فيما يتعلق بحجم التمويل العقاري السكني الجديد الممنوح للأفراد المقدم من المصارف وشركات التمويل، أنه سجل تراجعه للشهر الرابع على التوالي إلى نحو 7.7 مليار ريال، بنسبة انخفاض سنوية وصلت إلى 44.4 في المائة مقارنة بحجمه خلال الشهر نفسه من العام الماضي، وليصل إجمالي انخفاضه مقارنة بأعلى مستوى شهري تم تسجيله خلال آذار (مارس) الماضي "17.5 مليار ريال" إلى 56 في المائة. وكما يبدو من التغير الشهري لحجم الدعم الحكومي للتمويل العقاري الذي وصل إلى 734 مليون ريال بنهاية تموز (يوليو) الماضي، بمعدل نمو شهري لم يتجاوز 1.37 في المائة "المعدل الأدنى منذ بدء العمل به"، بما يشير إلى حجم التمويل العقاري السكني الجديد خلال الشهر الماضي، سيأتي أدنى من المستوى الذي تم تسجيله خلال حزيران (يونيو) الماضي، وتصل نسبة انخفاض مستوياته الشهرية الراهنة مقارنة بذروته في نهاية الربع الأول من العام الجاري إلى نحو 60 في المائة.
جاءت هذه التطورات بعد موجة كبيرة من الارتفاع المطرد للتمويل كان قد بدأها مع مطلع 2019، ليصل إجمالي ما تم ضخه كتمويل عقاري لمصلحة الأفراد طوال الفترة 2019 حتى نهاية حزيران (يونيو) 2021 إلى أعلى من 299.4 مليار ريال، شكلت نحو 95 في المائة من إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني في السوق العقارية المحلية للفترة نفسها.
وكما سبق التطرق إليه سابقا في أكثر من تقرير ومقال لعب النمو المطرد لحجم التمويل العقاري دورا رئيسا في إنعاش النشاط العقاري المحلي، وما تلك النسبة المرتفعة جدا لمساهمته في إجمالي قيمة صفقات القطاع السكني "95 في المائة من الإجمالي"، إلا دليل قوي على التأثير الكبير للنمو غير المسبوق في حجم التمويل العقاري طوال العامين ونصف العام، وامتد تأثيره إلى تحريك الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية، بمعدلات نمو مطردة غير مسبوقة في تاريخ السوق خلال تلك الفترة الوجيزة، سبق استعراضها بالتفصيل في التقرير الأسبوعي العقاري لـ «الاقتصادية».
وحسبما تظهره البيانات الأسبوعية للسوق العقارية المحلية الصادرة عن وزارة العدل، فقد أظهرت فيما يتعلق بمستويات الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية خلال الأشهر القليلة الماضية دخولها مرحلة من الاستقرار بعد الرالي عالي الوتيرة للارتفاع بمعدلات فاقت 100 في المائة طوال أقل من عامين ونصف العام، وتجاوزت تلك المعدلات بعدة أضعاف في عديد من الأحياء والمخططات التي شهدت وتائر عالية جدا من المضاربات العقارية، كان من أبرزها ما جرى وما زال قائما حتى تاريخه في مخطط الخير في مدينة الرياض، الذي سجل متوسط أسعار الأراضي السكنية فيه ارتفاعا قياسا فاق 400 في المائة منذ مطلع 2019 حتى منتصف العام الجاري، ومع تباطؤ العامل الأكبر لدعم تصاعد الأسعار السوقية لمختلف الأصول العقارية ممثلا في التمويل العقاري، التي توقفت بدورها الأسعار خلال الأشهر القليلة الماضية عن مواصلة صعودها بعد عامين ونصف العام من الارتفاع المطرد، وبالنظر إلى ما ينتظر السوق العقارية المحلية من بدء العمل بتنفيذ المرحلة الثانية من نظام الرسوم على الأراضي البيضاء في كل من الرياض وجدة والدمام قبل نهاية العام الجاري التي ستتركز على الأراضي المطورة داخل النطاق العمراني لتلك المدن، إضافة إلى بدء العمل بتنفيذ المرحلة الأولى من النظام في 17 مدينة إضافية أخرى، وإضافة إلى خروج نحو 1.0 مليون من الأفراد الطالبين لتملك الأراضي والمساكن من قائمة الطلب المتراكم على الإسكان، وتحولهم إلى ملاك لأراضيهم ومساكنهم، مقابل النمو المطرد في جانب تطوير وتشييد الوحدات السكنية الجديدة بمعدلات سنوية تتجاوز 400 ألف وحدة سكنية جديدة.
أمام كل المتغيرات المستجدة على السوق العقارية يتقدم إلى صدارة التساؤلات بالنسبة لعموم المستثمرين والمستهلكين خلال الفترة الراهنة عديد من الأسئلة، لعل من أبرزها: ما المتوقع خلال الأجلين القصير والمتوسط لاتجاه الأسعار السوقية التي تستقر الآن على قمة موجة ارتفاعات سعرية غير مسبوقة تمكنت من الوصول إليها خلال أقل من عامين ونصف العام؟ يأتي مصدر نشوء هذا السؤال المحوري بعد التغير الذي طرأ على أهم عاملين أسهما في موجة الارتفاعات السعرية للأصول العقارية: العامل الأول: الانتقال إلى المرحلة الثانية من نظام الرسوم الأراضي البيضاء في المدن الرئيسة، إضافة إلى توسيع دائرة تنفيذ النظام لتشمل 17 مدينة أخرى، وهو الانتقال الذي جاء بعد فترة توقف لاستكمال المراحل التنفيذية للنظام امتدت إلى خمسة أعوام. العامل الثاني: التراجع المستمر في زخم التمويل العقاري للأفراد خلال الأشهر القليلة الماضية، وتدني مستوياته الشهرية حتى إلى ما دون مستوياته خلال الأشهر التي شهدت تعليق كثير من نشاطات الاقتصاد، نتيجة العمل بالإجراءات الاحترازية المضادة لانتشار فيروس كورونا خلال العام الماضي.
لا شك أن الارتفاعات المطردة لأسعار الأراضي والعقارات المختلفة، تحمل معها كثيرا من الآثار العكسية على أغلب نشاطات الاقتصاد الوطني، والمستوى المعيشي للأفراد والأسر، وبحال شهدت الأسعار المتضخمة جدا لمختلف الأصول العقارية عودة إلى الانخفاض، كما حدث قبل 2019، واستمرار تلك الموجة التصحيحية لعدة أعوام مقبلة، فإن هذا سيحمل في طياته بكل تأكيد كثيرا من الجوانب الإيجابية على المستويات الاقتصادية والاجتماعية كافة، ويمنح بدوره كثيرا من المحفزات للقطاع الاقتصادي المنتج وعلى رأسه القطاع الخاص، الذي سيستفيد كثيرا من تراجع تكاليف تأسيس وإدارة مشاريعه الإنتاجية، إضافة إلى انخفاض تكلفة تملك المساكن لبقية الأفراد والأسر، وعدم اضطرارهم إلى تحمل مزيد من الأعباء البنكية طوال عقدين مقبلين من حياتهم. كل هذا سيكون تحت مراقبة ومتابعة المستثمرين والمستهلكين على حد سواء، لكل ما يستجد من تطورات في السوق العقارية طوال الفترة الراهنة، وانتظار ما ستسفر عنه هذه المستجدات الاقتصادية والمالية بمشيئة الله تعالى.

إنشرها