Author

قراءة في سياق اجتماع تحالف «أوبك+» الأخير

|
قد يؤشر الاجتماع الذي عقدته مجموعة "أوبك+" أخيرا إلى مرحلة مفصلية في تاريخ ومسار النفط في المستقبل المنظور في أقل تقدير.
وقد يكون هذا الاجتماع من وجهة نظري كمتابع، واحدا من أهم الاجتماعات التي عقدها كبار منتجي ومصدري النفط في العالم.
وأظن أن الاجتماع دشن مرحلة جديدة من التنافس على حصص الإنتاج من جهة، والحرب الخفية التي شنها بعض الدوائر لتعكير جو الاجتماع قبل وأثناء وبعد انعقاده.
وأرى أيضا أن الاجتماع الذي انفض في أول دورة له بخلافات ظاهرة، ومن ثم انتهى باتفاق عام على زيادة طفيفة حول حصص الإنتاج، يؤسس لسابقة حميدة هي ثمار الخبرة المتراكمة التي كسبتها السعودية في إدارة النقاشات والحوار ضمن تجمع لا يجمعه غير إنتاج النفط وعداه كل له سبيله.
لن أفلح في إلقاء الضوء على النقاط المثارة أعلاه في مقال واحد، لأن شرحها ضمن سياقها يتطلب سلسلة من المقالات، لذا سأتناولها ببعض العجالة.
كان هناك ثلاثة مسارات لما ستؤول إليه الأمور بعد ظهور بوادر خلاف بين الأعضاء: الأول: الاتفاق على إبقاء الحصص كما هي، الثاني: الاتفاق على زيادة محددة في حصص الإنتاج لمنع زيادات فجائية كبيرة في الأسعار، الثالث: عدم الاتفاق وما سيحمل ذلك من تبعات.
ولكل مسار سياقه الخاص داخل تحالف "أوبك+" وخارجه. قد لا نبالغ القول: إن ما يحدث خارج نطاق منظمة الدول المنتجة والمصدرة للنفط وعلى الخصوص شؤون تخص معدلات الاستهلاك والخزين له تأثير محسوس في أي اجتماع تعقده هذه المنظمة.
ولنركز على السياق خارج أروقة تحالف "أوبك+" ونربطه بالمسارات الثلاثة.
المتابع لشؤون النفط لا بد أنه لاحظ سيلا من المقالات والتحاليل والأحداث التي وقعت قبل انعقاد الاجتماع ولسان حالها يقول: لم تعد فائدة لنفطكم واجتماعكم لا طائل منه لأن العالم مقبل على استخدام الطاقة البديلة.
قبل فترة وجيزة من انعقاد المؤتمر، نشرت الصحافة الغربية على صدر صفحاتها الأولى قرارا لمحكمة أوروبية تفرض تخفيضا في معدلات انبعاث الكربون على الشركات الغربية العملاقة في مجال استكشاف وإنتاج وتكرير النفط ومشتقاته.
وخرجت مثلا صحيفة "الجارديان" البريطانية واسعة الانتشار بعنوان غليظ واصفة القرار وتوقيته بـ "الكارثة" على إنتاج النفط واستخدامه و"نقطة تحول تاريخية" في استهلاك الوقود الأحفوري.
أي قارئ لتغطية "ذي جارديان" لقرار المحكمة وهو غير مدرك للترابط والسياق بين الأحداث، ليخرج باستنتاج أن عهد النفط في أفول والدول المنتجة له خصوصا التي تشكل إيراداته حصة كبيرة في تمويل ميزانيتها على شفا كارثة كبيرة.
وبعدها بقليل، ظهرت تقارير تقول: إن عمر وسائط النقل التي تعتمد على النفط في إدارة محركاتها قصير جدا والغرب سيستغني عنها في غضون عشرة أعوام، حيث ستحل الطاقة البديلة - الكهرباء والطاقة الشمسية وغيرها - محل النفط.
كانت هذه التقارير مسلية وجعلت متابعا مثلي يبتسم كثيرا عند قراءتها. وهنا أريد التأكيد أنني لا أستهين أبدا بمقدرة الغرب الصناعية في التوصل إلى موارد إضافية لتأمين الطاقة، ويجب الاعتراف أنه حقق طفرات جيدة في هذا المضمار. ما جعلني أبتسم كثيرا كان الانتقاص من النفط كمصدر للطاقة والإعلان عن موته وهو في رأي لم يعبر بعد متوسط عمره.
بيد أن ما أثار الأسف والضحك كانت قراءتي لمقالات في بعض الصحف العربية وهي تنقل عن تقارير مثل هذه قولها إن أيام النفط أصبحت معدودة، حيث كتبت ما يشبه المناحات على ما سيقع من "كارثة" على الدول العربية المصدرة للخام خصوصا الخليجية منها.
وذهب بعضها بعيدا، حيث أخذ يصف كيف أن شعوب هذه الدول تئن من الفقر والجوع، وترجع إلى عصر ما قبل الصناعة وغيرها من الأمور المضحكة.
بطبيعة الحال، المسار الذي استقر عليه تحالف "أوبك+" بقيادة السعودية وتمسكها بالحوار إلى آخر نفس للوصول إلى إجماع حول حصص الإنتاج قلب الموازين وغير النظرة السطحية لمآل ومسار الإنتاج والأسعار وأهمية التجمع الذي تقوده ويضم كبار المنتجين داخل وخارج منظمة أوبك.
وقبل أيام، نقلت الصحافة الغربية عن باحثين ومحللين وكبار الصيارفة في أكبر البنوك العالمية قولهم: إننا مقبلون على "أزمة كبيرة" مفادها زيادة كبيرة في الطلب على النفط ومحدودية المتوافر أو المعروض في الأسواق العالمية ما قد يحدث طفرة كبيرة في الأسعار ربما قبل نهاية هذا العام.
انظر كيف تبدلوا تبديلا، وهذه أول ردة فعل لنجاح السعودية في أن تبقى "أوبك+" متماسكة قادرة على الحوار الإيجابي الذي يقود إلى الإجماع في القرار الملبي لحاجات المنتجين وطلبات المستهلكين التي يبدو أنها لن تنتهي حتى بانتهاء آخر قطرة من الاحتياط النفطي، والله العارف ببواطن الأمور والأيام عسيرة والعالم برمته في فوضى ما قد يجعل توقعات متابع مثلي في غير محلها.
إنشرها