Author

كبح المزاحمة العقارية وتشوهات السوق «1 من 2»

|
عانت السوق العقارية المحلية طوال العقود الماضية كثيرا من التشوهات، التي كان من أكبر آثارها العكسية في السوق حدوث الاختلال بين العرض الشحيح للأراضي مقابل الطلب المتنامي سنويا عليها لأهداف متنوعة من حيث الاستخدام والانتفاع، وقد نشأ هذا الشح في الأراضي من زيادة سيطرة الممارسات الاحتكارية واكتنازها لعقود زمنية طويلة، إضافة إلى التعاملات المضاربية على المساحات المحدودة منها المتاحة للبيع والشراء، ومع تصاعد واتساع أشكال كل من (الاحتكار، المضاربة) واستدامهما دون تنظيم شامل للسوق العقارية طوال العقود الماضية، جاءت النتيجة الأكثر ضررا للتنمية الشاملة والمستدامة، المتمثلة في حدوث تضخم زاحف طوال تلك الفترة للأسعار السوقية للأراضي بصورة غير مبررة في أغلب المناطق والمدن، ولهذا كان من أهم الإصلاحات التي تم اتخذتها الدولة في مواجهة تلك التشوهات، ما تم إقراره ممثلا في نظام الرسوم على الأراضي البيضاء، لأجل التصدي لها وللآثار العكسية الناتجة عنها، التي حددها النظام في ثلاثة أهداف رئيسة: (1) زيادة المعروض من الأراضي المطورة بما يحقق التوازن بين العرض والطلب. (2) توفير الأراضي السكنية بأسعار مناسبة. (3) حماية المنافسة العادلة ومكافحة الممارسات الاحتكارية.
الأسئلة المطروحة الآن، لماذا لم ينعكس نظام الرسوم على الأراضي البيضاء بالانخفاض على الأسعار السوقية للأراضي والمنتجات العقارية باختلاف أنواعها؟ ولماذا شهدت الأسعار السوقية عودة إلى الارتفاع القياسي خلال الفترة 2019 - 2021 وصل إلى أعلى من نسبة 60 في المائة كمتوسط نسبة ارتفاع؟ بعد أن كانت قد سجلت انخفاضا خلال الفترة 2015 - 2018 وصل إلى أعلى من نسبة 24 في المائة كمتوسط نسبة انخفاض؟ وما الحلول اللازم اتخاذها خلال الفترة الراهنة في مواجهة تلك النتائج العكسية، التي تؤكد عدم خروج السوق العقارية من دائرة آثار تشوهاتها السابقة، وما استمرار تضخم الأسعار السوقية وزيادته مجددا إلا أحد دلائله الظاهرة للجميع.
تتشكل الإجابة المختصرة عن الأسئلة أعلاه، في ثلاثة محاور رئيسة هي، المحور الأول: المتعلق بنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، الذي توقف عند مرحلته التنفيذية الأولى طوال الأعوام الخمسة أعوام الماضية في كل من الرياض وجدة والدمام ومكة المكرمة ولا تزال حتى تاريخه، وتدني نتائج تلك المرحلة الزمنية الطويلة، التي لم تتجاوز تطوير أكثر من 13.8 مليون متر مربع، من إجمالي ما مساحته 435 مليون متر مربع لإجمالي الأراضي البيضاء المشمولة بالنظام في كل من الرياض وجدة ومكة المكرمة والدمام، والتي لا تتجاوز نسبته 3.2 في المائة من الإجمالي، في حين لا تزال أعمال التحضير لتطبيق المرحلة التنفيذية الثانية في كل من الرياض وجدة والدمام التي تم الإعلان عنها في 10 أيلول (سبتمبر) من العام الماضي قائمة وخارج حيز التنفيذ حتى تاريخه. والأمر كذلك بالنسبة إلى بقية المدن البالغ عددها 17 مدينة إضافية، التي تم الإعلان عن تطبيق المرحلة التنفيذية الأولى فيها بتاريخ 10 أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، لا تزال أعمال استكمال التجهيزات النهائية للتطبيق في تلك المدن قائم وخارج حيز التنفيذ حتى تاريخه.
المحور الثاني: المتمثل في تصاعد تأثير التمويل العقاري، الذي قفز تأثيره كعامل داعم لجانب الطلب بأعلى من 331 في المائة خلال الفترة 2019 حتى أيار (مايو) 2021 (292 مليار ريال)، مقارنة بحجمه خلال الفترة 2016 - 2018 (67.6 مليار ريال)، ويقدر أن يصل حجمه إذا استمر بوتيرته الراهنة نفسها خلال 2019 حتى نهاية العام الجاري إلى نحو 393 مليار ريال، أي بنمو قياسي ستتجاوز نسبته 481 في المائة مقارنة بحجمه خلال 2016 - 2018. أمام عدم زيادة المعروض من الأراضي المطورة بالشكل الكافي، وبما يحقق التوازن بين العرض والطلب، وقياسا على النتائج الفعلية للمرحلة التنفيذية الأولى التي لم تتجاوز مساحتها 13.8 مليون متر مربع من إجمالي مساحة الأراضي البيضاء المشمولة بالرسوم (435 مليون متر مربع)، فلا شك أن تأثير هذا النمو القياسي في حجم التمويل العقاري خلال الفترة 2019 - 2021 على الأسعار السوقية للأراضي والمنتجات العقارية، سيكون ملموسا بصورة قوية، وداعما رئيسا لتصاعدها المطرد.
في هذا السياق، للقارئ الكريم أن يتصور حدوث نتائج أفضل بكثير على مستوى زيادة الأراضي المطورة في جانب العرض، بما لا يقل عن 70 في المائة من الأراضي التي شملتها رسوم الأراضي البيضاء، أي ما تصل مساحته إلى 305 ملايين متر مربع على أقل تقدير (نحو 22 ضعف ما تم تطويره فعليا)، هل كانت أسعار الأراضي ستشهد هذا الارتفاع القياسي خلال الفترة الماضية، حتى بالتزامن مع النمو القياسي للتمويل العقاري؟ الإجابة "لا" في الأغلب إن لم يكن بالتأكيد، وهو ما يؤكد على الأهمية القصوى لمزيد من تفعيل وتنفيذ المرحلتين الثانية والثالثة من النظام، وتوسيع دائرة تطبيقه على المدن والمحافظات، الذي سيسهم بفعالية أكبر في تحقق الأهداف الرئيسة للنظام.
المحور الثالث: المتمثل في استمرار غياب المنافسة العادلة في جانب الطلب، فإزاء الارتفاع المطرد في الأسعار المتضخمة، والتفاوت الكبير على مستوى القدرة الشرائية لدى شرائح المشترين، من كبار المستثمرين وملاك الأراضي والمضاربين من طرف، تختلف أهدافهم الشرائية بين اكتناز طويل الأجل ومضاربة تستهدف البيع لاحقا بأسعار أعلى، ومن طرف آخر أفرادا مستهلكين نهائيين، تنحصر أهدافهم بناء المسكن فقط! بالنظر إلى واقع تعاملات السوق العقارية المحلية طوال العقود الماضية، ستجد أن المنافسة بين الطرفين لا توجد على الإطلاق! ولا مجال للأفراد لأجل تملك الأرض إلا عن طريق إعادة شرائها إما من المكتنز أو من المضارب بأسعار تتجاوز كثيرا تكلفة شرائها أول مرة. لهذا لا غرابة أن اعتادت السوق العقارية طوال العقود الماضية على إنهاء الوقت المحدد لمزادات عقارية بمليارات الريالات خلال أقل من ساعة واحدة فقط! نظرا للقدرة الشرائية الهائلة لدى المكتنزين أو المضاربين، وعدم توافر أي شكل من أشكال المنافسة لدى الأفراد مقابل تلك القدرة الشرائية الكبيرة جدا، واضطرارهم لاحقا إلى شراء ذات الأراضي من الفريق الأول بأسعار مضاعفة، سيستغرق توفير المبلغ اللازم لشرائها سواء ادخارا أو اقتراضا ومن ثم سداده أعواما طويلة جدا من حياتهم.
يقتضي إرساء المنافسة المطلوبة هنا، وأنه كما يتم توفير المحفزات لكبار المستثمرين العقاريين، فلا بد أيضا من توفير الأنظمة والإجراءات الكفيلة بحماية صغار المستهلكين النهائيين في السوق العقارية، شأنه شأن بقية الأسواق والنشاطات الاقتصادية، وهذا ما سيأتي الحديث عن تفاصيله بمشيئة الله تعالى في الجزء الثاني من المقال.
إنشرها