Author

إدارة الحشود وتفشي الأوبئة .. حج 1442 نموذجا

|
لقد عانى العالم كثيرا أزمة تفشي وباء كوفيد - 19 حول العالم، والأضرار لم تقتصر على الجانب الصحي فقط، بل تجاوزته إلى الجانب الاقتصادي والتعليمي والاجتماعي والسياسي، وأصبحت هذه الأزمة تحصل على موجات، ففي كل مرة تهدأ فيها في بلد ما حول العالم تتحول إلى وباء عام في بلد آخر، ومن ثم نجدها اليوم أصبحت تنتشر على شكل موجات، وعلى شكل متحورات. ولعل الوباء الذي يشكل نسبة عالية في التفشي حاليا هو ما كان نتيجة متحور حصل في الهند ثم انتقل إلى كل بلاد العالم وأصبح خطرا يهدد مرة أخرى التعافي الذي بدأ يشهده العالم في الجانب الاقتصادي، وبداية ممارسة الحياة بشكل قريب من الطبيعي.
يتحدث البعض عن أحد أسباب تفشي الوباء في الهند حتى أصبح كارثة هائلة لكل مناطق الهند، وأصبح العالم يشاهد حالة الأسى والحزن الذي أصاب المجتمع في الهند، وهي مجموعة من التجمعات، سواء الدينية أو غيرها، ما سرع وتيرة التفشي لتصيب أعدادا هائلة نتجت عنها وفيات في كل مناطق الهند، كما أنه متحور جديد أسرع انتشارا، لم يقف عند الهند فقط، بل تفشى إلى جميع دول العالم تقريبا، فالأوبئة مرض التهاون في التعامل معها يعني انتشار الوباء إلى مختلف دول العالم، وتختلف قدرات الدول في القدرة على السيطرة على الوباء، فهناك دول لديها إمكانات لتوفير الاحتياجات الصحية رغم صعوبة ذلك في حالة التفشي، وهو ما عانته دول متقدمة اقتصاديا في بداية الأزمة في أوروبا وأمريكا الشمالية، ودول ليس لديها أي إمكانات لمواجهة الأزمة، وهذا ما شاهدناه على نطاق واسع في مختلف دول العالم، حتى أصبح الحصول على الأكسجين أعظم أمنية للكثير لمساعدة ذويهم للبقاء على قيد الحياة.
في ظل هذه الأزمة، نجد حكمة القيادة الرشيدة في المملكة للتعامل مع هذا الوباء الذي تفشى حول العالم بإدارة الحج بطريقة تعد نموذجا للعالم تمثلت كما في نماذج أخرى من كفاءة في إدارة الحشود حتى في ظروف وجود الأعداد الهائلة التي تأتي من كل مكان حول العالم بمختلف اللغات والعادات والثقافات، لكنها في هذه المرة تقدم نموذجا مثاليا لإدارة الحشود، متمثلة بالمنهج النبوي الذي حث على أن يكون هناك مواجهة أكثر حكمة في زمن الأوبئة، بأن من كان في مكان يتفشى فيه الوباء فلا يخرج من مكانه، وإن كان في مكان لم يصل إليه الوباء فلا يذهب إلى مكان الوباء، فهذا منهج نبوي ومقتضى الحكمة والإيمان والمعرفة بسنن الله الكونية في هذه الأرض، التي جعلت من هذه الأوبئة ابتلاء للإنسان، ليدرك عظم ما أنعم الله به من أسباب الصحة التي يتمتع بها في حال الحياة.
"لنتخيل سيناريو تسمح فيه المملكة بقدوم أعداد هائلة من أكثر من 200 دول حول العالم من مختلف المجتمعات والثقافات واللغات ودول تفشى فعلا فيها الوباء ودول أخرى لم يتفش فيها بعد، ودول مسلمة ودول غير مسلمة، ودول فيها إمكانات اقتصادية ومتقدمة في جانب الخدمات الصحية ودول أخرى لا يوجد فيها الحد الأدنى من تلك الإمكانات، خصوصا أن الدول الإسلامية في أغلبها أضعف اقتصاديا وأقل في الإمكانات الصحية، كما أن الناس يتفاوتون في فهم أهمية الإجراءات الاحترازية، ما يجعل الأصحاء في خطر كبير بسبب التزاحم وعدم القدرة مطلقا على تطبيق الإجراءات الاحترازية، وبالتالي سيصبح تطبيق الالتزام في هذه المرحلة من المستحيلات، والخطورة ليست هنا فحسب، حيث الخطورة الكبيرة هي بعد أن يعود هؤلاء إلى بلدانهم يحملون الفيروس، ينقلونه إلى أقاربهم، ومنهم إلى كل أنحاء بلاد العالم، حينها سنشهد، والعلم عند الله، أسوأ كارثة تفش للفيروس يمكن أن يشهدها العالم، وهي أسوأ مما حدث في الهند بمراحل، باعتبار أن التجمع الذي تم في الهند غالبا للهنود، كما أنه تجمع في مكان واحد ولفترة محدودة، في حين الحج يتم من خلال تنقلات بين مواقع مختلفة وفي فترة أطول، ويشهده المسلمون من كل دول العالم. لا شك أن ما تم من إجراءات، أمر لازم لإقامة شعيرة الحج بشكل آمن، فما تحقق - بحمد الله - المقصود من إقامة هذه الشعيرة العظيمة مع المحافظة على سلامة المجتمعات المسلمة من تفشي الوباء، كما أن الله - سبحانه وتعالى - ربط الالتزام بهذه الشعيرة ووجوبها بالاستطاعة، وهنا نجد أن مواجهة الوباء وحفظ حياة الإنسان مقصد شرعي.
فالخلاصة، إن إدارة شعيرة الحج في هذا العام راعت الحكمة في تحقيق مصالح العباد أن تؤدى الشعيرة وألا توقف، مع الأخذ في الحسبان الاحتياطات اللازمة للمحافظة على صحة الإنسان. ولو سمح بقدوم الناس من كل دول العالم لأداء هذه الشعيرة، لكان ذلك سببا - والله أعلم - في كارثة قد تكون الأسوأ منذ تفشي الوباء، باعتبار أن من يصاب بوباء كوفيد - 19 سينقله إلى بلده ومجتمعه، وقد تتكرر حالة التفشي في الهند بصورة أكثر انتشارا وضراوة، وكثير من البلدان الإسلامية والمجتمعات المسلمة ليس لديها الحد الأدنى من أسباب الوقاية من هذا الوباء.
إنشرها