Author

تعزيز جهود خفض البطالة ورفع التوطين

|
أكد التراجع في معدل البطالة بين المواطنين إلى 11.7 في المائة بنهاية الربع الأول من العام الجاري، مقارنة بمستواه البالغ 12.6 في المائة خلال الربع الرابع من 2020، أن ما يمكن القيام به على طريق التوطين تتوافر حظوظه بشكل كبير، وهو ما حملت أسبابه الكثير من التحديثات والتغييرات التي جرت وما زالت تتم على برامج التوطين، ويتوقع أن تشهد سوق العمل المحلية مزيدا من ارتفاع معدل التوطين في القطاع الخاص، سيقابله تراجع في معدل البطالة خلال الربع الثاني المرتقب إعلانه خلال أقل من شهرين مقبلين، نظير استمرار زيادة توطين الوظائف في القطاع الخاص، حسبما أظهرته بيانات صندوق الموارد البشرية "هدف"، التي أكدت ارتفاع معدل توظيف الموارد المواطنة خلال النصف الأول من العام الجاري بأكثر من 142 ألف وظيفة، توزعت تلك الزيادة على المنشآت الكبيرة بنسبة مساهمة بلغت 28.0 في المائة، و47.4 في المائة لدى المنشآت المتوسطة، و18.4 في المائة لدى المنشآت الصغيرة، وأخيرا 6.2 في المائة لدى المنشآت المتناهية الصغر.
قد يكون الطريق طويلا للوصول إلى الأهداف المنشودة، ومن أهمها خفض معدل البطالة إلى ما دون 7.0 في المائة، إلا أن رفع كفاءة برامج التوطين وزيادة فاعليتها، إضافة إلى ارتفاع درجة الاستجابة وتكامل الجهود من طرف منشآت القطاع الخاص، كل هذا بإمكانه متى ما توافر أن يسرع الخطى ويقرب المسافات البعيدة، وأن يسهم في رفع معدلات التوطين، واقتران كل ذلك بتوفير كثير من الوظائف المجدية ذات الدخل الجيد والملائم بالنسبة إلى الباحثين والباحثات عن عمل من الموارد البشرية الوطنية.
كما سبق التأكيد عليه سابقا، في مقالات عديدة حول آليات رفع كفاءة برامج التوطين وزيادة فاعليتها، التي تم جزء منها خلال الأشهر القليلة الماضية، ولا تزال سوق العمل المحلية تترقب تدشين أجزاء من ذلك التطوير والتحديث المنتظر والمأمول، التي تشكلت وتحددت فيما سيأتي ذكره كمحاور رئيسة، بناء على ما تم تحديده كأبرز المعالم الرئيسة التي تتحكم خلال الفترة الراهنة في هيكل سوق العمل المحلية، التي أمكن من خلالها اقتراح البرامج والسياسات اللازم العمل بها والمضي قدما ضمن أطرها، وصولا إلى تحقيق أعلى معدل ممكن للتوطين في القطاعين الحكومي والخاص على حد سواء، وبما يسهم بصورة فعلية في خفض معدل البطالة إلى أدنى مستوياته الممكنة.
المحور الأول: المتعلق بسمات المتعطلين، ذكورا وإناثا، من الموارد البشرية المواطنة، وتحديدا ما يرتبط بحملة الشهادة الجامعية فأعلى منهم، الذين بلغت نسبتهم نحو 54.5 في المائة من الإجمالي، وترتفع النسبة إذا أضيف إليهم حملة الشهادة الثانوية فأعلى لتصل إلى 90.3 في المائة من الإجمالي، الذي يؤكد بدوره في هذا السياق الأهمية القصوى لإدخال "نوعية" الوظائف حسب التأهيل العلمي في صميم برامج التوطين. ويفيد الاعتماد على هذه البيانات بالتعرف بصورة أكثر دقة على "نوعية" الوظائف التي يجب استهدافها بالتوطين، والخروج ببرامج تقوم على المواءمة بين مؤهلات طالبي العمل من جانب، وبين الفرص الوظيفية المتوافرة في السوق، سواء الشاغرة منها أو المشغولة بعمالة وافدة، وتجاوز الفجوة الراهنة الناتجة عن زيادة عرض وظائف متدنية من حيث المؤهلات والأجور اللازمة من جانب، مقابل عدم إقبال أغلبية المتعطلين والباحثين عن فرص عمل على تلك الوظائف من جانب آخر. ولعل من أكثر النتائج العكسية لهذه الفجوة، أنها ضاعفت من الضغوط على كثير من المنشآت المتوسطة والصغيرة، كونها المستودع الأكبر لتلك الوظائف الأدنى من حيث المؤهلات والأجور، في الوقت ذاته الذي نأت مئات الآلاف من الفرص الملائمة للمتعطلين في المنشآت الكبيرة والعملاقة، ونتيجة هذه الفجوة فقد استمر ارتفاع معدل البطالة لدى تلك الشرائح من المتعطلين.
المحور الثاني: أخذا في الحسبان عدم كفاية النمو المتوقع للقطاع الخاص "4.6 في المائة خلال الفترة 2021 - 2025" لامتصاص تلك الأعداد الكبيرة من طالبي العمل بتوفير وظائف جديدة لهم، وأنه لا بد من الاعتماد بدرجة أسرع وأكبر على إحلال الوظائف، وهو الأمر الأكثر ضمانا للتحقق على أرض الواقع، بشرط زيادة فاعلية وكفاءة برامج التوطين، وتطويرها بالصورة التي تأخذ في الحسبان نوعية الوظائف أكثر من كميتها، والتركيز بدرجة أكبر على المنشآت العملاقة والكبيرة قبل غيرها من المنشآت الأصغر حجما، وهو ما يقع عبئه على كاهل وزارة الموارد البشرية في إطار إشرافها ومسؤوليتها على تصميم برامج التوطين اللازمة خلال الفترة المقبلة.
المحور الثالث: يقتضي تحقيق أفضل نتائج أن يتم إقرار برنامج خاص لتوطين الوظائف القيادية والتنفيذية "متخذ القرار" في منشآت القطاع الخاص، وإلزامها به وفق خطة زمنية متدرجة لا تتجاوز خمسة أعوام، تبدأ بإلزام المنشآت الأكبر حجما "العملاقة، والكبيرة"، ثم يتدرج تنفيذ البرامج في أعوام تالية ليشمل المنشآت المتوسطة، وأخيرا المنشآت الصغيرة إذا تطلبت الحاجة إلى ذلك في نهاية الفترة. تأتي الأهمية القصوى لتبني هذا البرنامج، لما تمثله هذه المستويات الإدارية في منشآت القطاع الخاص من كونها "متخذ القرار الأول" فيها، وهو ما يفسر الجزء الأكبر من تأخر نجاح أغلب برامج التوطين طوال العقد الماضي، لما تتمتع به هذه المستويات الإدارية العليا من صلاحيات كافية، وقدرتها العالية على الاستجابة من عدمها لمتطلبات برامج التوطين، وتوجيهها في الاتجاه الذي يخدم مصالحها بالدرجة الأولى، ودون الوقوع في أي مخالفات ملموسة لتلك البرامج! ويكفي الإشارة هنا إلى أن انخفاض العمالة الوافدة خلال 2016 - 2020 بنسبة 26.1 في المائة "أكثر من 2.2 مليون عامل"، تركز بأعلى من 97.2 في المائة على العمالة الأدنى أجورا ومهارات بنسبة انخفاض فاقت 28.7 في المائة، بينما لم تتجاوز نسبة انخفاض ذوي المستويات الأعلى 5.1 في المائة خلال الفترة نفسها.
المحور الرابع: أن تكمل وزارة الموارد البشرية ما بدأته أخيرا على طريق توسيع آلية التوطين، والعمل على تفويضها لمهام ومسؤوليات التوطين لمصلحة مختلف الأجهزة الحكومية حسبما تتولاه تلك الأجهزة من إشراف ورقابة على مختلف القطاعات الاقتصادية، ويصبح بذلك كل جهاز حكومي مسؤولا عن جميع مهام ومسؤوليات التوطين ورفع معدلاته في منشآت القطاع الخاص الخاضعة لإشرافه ورقابته، حسب القطاعات الاقتصادية المرتبطة بها، وأن تأتي تلك الآلية من العمل تحت مظلة منظومة متكاملة للتنفيذ، بين وزارة الموارد البشرية من جهة، ومن جهة أخرى الأجهزة الحكومية حسب القطاعات الاقتصادية التي تتولى الإشراف عليها.
إنشرها