Author

الحد من التضخم بالتركيز على رسوم الأراضي

|
تحول التضخم عالميا إلى الخصم الاقتصادي اللدود، بوضعه الراهن كنتيجة رئيسة للتوسع الأكبر في تاريخ البنوك المركزية على مستوى العالم في سياسات التيسير الكمي، وخفض معدلات الفائدة إلى أدنى مستوياتها التاريخية، ورغم أن هذه السياسات قد ولدت بضخامتها بعد الأزمة المالية العالمية 2008، إلا أن أنابيبها المغذية لمواجهة هشاشة الاقتصادات، وتحفيزا لها للنمو مجددا بعد صدمة الأزمة المالية العالمية، استمرت منذ ذلك التاريخ حتى ما قبل اصطدام العالم بالجائحة العالمية لكوفيد - 19، لتبدأ من جديد بأكبر مما كانت عليه سابقا، وتضاعف بنسبة أكبر من التيسير الكمي مجددا، وتقوم بخفض معدلات الفائدة إلى أدنى مستوياتها التاريخية "دون إغفال معدلات الفائدة السلبية لعديد من البلدان"، وكل هذا استهدف تحفيز النمو الاقتصادي، ودعم الشركات والمؤسسات في القطاع الخاص، وتعزيز مناعتها في مواجهة الآثار العكسية للجائحة العالمية، عدا ما تم ضخه بصورة مباشرة كمعونات مالية وعينية في يد عشرات الملايين من الأفراد الذين فقدوا وظائفهم تحت ضغوط الجائحة العالمية.
على الرغم مما أدى إليه الكم العملاق من السياسات وضخ الأموال بتريليونات الدولارات في الاقتصادات والأسواق، من المحافظة على استقرار الاقتصادات بداية، والإسهام لاحقا في استعادتها وتيرة النمو مجددا، إلا أنه في المقابل تسبب في خروج مارد التضخم من قمقمه، الذي كان الهدف الأول للبنوك المركزية طوال عقود زمنية مضت، وتكاتفت السياسات النقدية طوال تلك الفترة على أن يبقى محبوسا بما لا يتجاوز 2.0 إلى 2.5 في المائة، ليعود خلال الفترة الراهنة كأكبر مصدر لقلق البنوك المركزية حول العالم، والوقوف على مفترق الطرق، بين الاستمرار في تحفيز الاقتصادات، التي أبطأت حتى تاريخه في تأكيد عودتها إلى النمو مجددا، والقبول مؤقتا وفق حدود تضيق مساحتها بتسارع أكبر لتضخم الأسعار، ومن جانب آخر، أن تتحرك البنوك المركزية نحو كبح التضخم، برفع معدلات الفائدة وتخفيف التيسير الكمي، الذي ستدفع ثمنه في ظل الظروف الراهنة - بكل تأكيد - الاقتصادات والأسواق حول العالم، وتدخل في موجة هائلة من الاضطرابات، وما سيترتب عليها من آثار عكسية مؤلمة، لا قبل لأي اقتصاد حول العالم بها خلال الفترة الراهنة.
أمام ما تقدم، أصبح مرئيا ومسموعا صعود تفكير عديد من الاقتصادات حول العالم، في أن تنفرد بسياساتها وإجراءاتها اللازمة لمواجهة ما قد تراه مهددا لاستقرارها الاقتصادي والتجاري، وهو الأمر الذي بدأ فعليا لدى الاقتصادين الأكبر عالميا "الولايات المتحدة، والصين" منذ عدة أعوام، وانعكست صراعاته على الاقتصاد العالمي حتى قبل نشوء الجائحة العالمية كوفيد - 19، ولعل المشهد الأكثر سيطرة وصعودا خلال الفترة الأخيرة، ما هو متمثل في إعادة ترتيب السياسات والإجراءات، سواء على مستوى الدول فرادى، أو على مستوى التكتلات الاقتصادية والإقليمية، الذي يزيد بدوره من حالة اضطراب الاقتصاد العالمي فوق ما يعانيه من تحديات.
محليا، ارتفع التضخم إلى 6.2 في المائة بنهاية حزيران "يونيو" الماضي، تبعا لتأثره بضريبة القيمة المضافة. ولا ننسى أن هناك تضخما مستوردا من الدول الأعلى شراكة تجارية معها، في مقدمتها الصين، التي سجل مؤشر أسعار المنتجين فيها ارتفاعا فاق 9 في المائة بنهاية أيار (مايو) الماضي من هذا العام، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل العالمية، وقس على هذا الحال لبقية الاقتصادات الأعلى شراكة تجارية.
كما يأتي من مسببات التضخم ارتفاع أسعار الأراضي والعقارات، إضافة إلى الاحتمالات القائمة بحدوث بعض التضخم قصير الأجل، الناتج عن سياسات وإجراءات تصحيح أوضاع المنشآت الواقعة في مخالفات التستر التجاري، التي لن تلغي الإيجابيات المهمة جدا في الأجلين المتوسط والطويل للاقتصاد الوطني، نتيجة القضاء على التستر التجاري.
أمام كل تلك المتغيرات الخارجية والداخلية، تتفاوت - بالطبع - مرونة الخيارات المتاحة أمام السياسات والإجراءات والتدابير المحلية، اللازم الاعتماد عليها في مواجهة تلك التحديات المستجدة، وإذا كانت المرونة أمام المتغيرات الخارجية قد تكون أدنى كما هو معلوم، مقارنة بمثيلاتها المرتبطة بالمتغيرات الداخلية، فإن هذا يعني أن إيلاء مزيد من الاهتمام بالمتغيرات الداخلية، وضرورة الأخذ بالسياسات والتدابير اللازمة للتعامل معها، يعد ذا أهمية قصوى ومرتفعة، ويعني نجاحا أكبر على مسار العمل المتكامل للأجهزة الحكومية ذات العلاقة كافة، في إطار السيطرة على مستويات الأسعار، وبذل الجهود اللازمة لاستمرار المحافظة على الاستقرار الاقتصادي والمالي محليا.
وتتمثل المقترحات الكفيلة - بإذن الله - بتعزيز استقرار الأسعار، والحد من تضخمها أكثر، في أن يتم تكثيف الجهود الرقابية على الأسواق المحلية، وإيقاع العقوبات النظامية على المنشآت المخالفة، وسد جميع منافذ التحكم أو التلاعب بالأسعار ورفعها دون مبررات اقتصادية حقيقية، وفي أن يتم تسريع العمل بالمراحل التنفيذية المتبقية "الثانية، والثالثة" لنظام الرسوم على الأراضي البيضاء، المؤمل أن تلعب دورا كبيرا في مجال الحد من الارتفاعات السعرية الراهنة، وغير المبررة في معظمها.
والتأكيد في خاتمة هذا المقال على سرعة العمل وبذل الجهود اللازمة لمواجهة أي تحديات مهما كانت، وضرورة المحافظة على مسار النمو الاقتصادي، وحمايته بكل الطاقات والموارد المتاحة من أي احتمالات للتباطؤ أو التوقف.
إنشرها