FINANCIAL TIMES

نقص الوقود يدفع لبنان إلى حافة الهاوية

نقص الوقود يدفع لبنان إلى حافة الهاوية

يمضي اللبنانيون ساعات طويلة في الانتظار لتزويد سيارتهم بالوقود.

يعد لبنان دولة صغيرة الحجم. فقد رسمت القوى الاستعمارية حدودها حول سلاسل الجبال، ومدن الموانئ الواقعة على ساحل البحر المتوسط، لتجعل مساحتها نحو نصف الرقعة التي تقع عليها ويلز. فبإمكانك قطع المسافة من شمال البلاد إلى جنوبها بالسيارة، في غضون ثلاث ساعات.
إذن، فالقيادة لمدة خمس ساعات متواصلة، كما فعلت أخيرا، أمر غير اعتيادي. فلبنان بلد لم يتوسع في حدوده الجغرافية: فقد كان ينبغي أن تستغرق الرحلة أقل من ساعتين. لكن الأمر الذي حدث لي ولكل سائق في ذلك اليوم، أننا ضجنا في فوضى تسبب فيها نقص في الوقود، الأمر الذي يجعل التنقل في لبنان أبطأ مما يجب، ويجعل الحياة أكثر قلقا من قبل.
وبسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية في البلاد، فقد اعتدنا على الأزمة المرورية التي تتسبب فيها إشارات المرور المتعطلة، والشوارع غير المضاءة. حيث أصبحت الطوابير التي لا نهاية لها للتزود بالوقود، من السمات الجديدة لشوارع لبنان - إلى جانب الأعصاب المنهكة، والمشاجرات وإطلاق النار المتقطع. فهذا سائق طويل القامة يصرخ على المارة في بيروت قائلا: "لقد أمضيت ساعة ونصف الساعة في الانتظار". لقد لاحظت وجوده في السيارة قبل 75 دقيقة، وتفهمت سبب صراخه: لأنه بالكاد قد تقدم 50 مترا.
بينما يتعرض عمال محطات الوقود الذين يتقاضون رواتب متدنية، وأغلبيتهم من المهاجرين، للانتهاك المستمر من قبل السائقين الغاضبين لما يشعرون به من إحباط. فقد أخبرني مدير إحدى شركات الوقود أن ما نسبته 25 - 30 في المائة من القوى العاملة لديه قد تركوا العمل لأنهم لم يجدوا نفعا مع الإساءة اللفظية والجسدية التي يتعرضون لها مقابل راتب شهري يساوي 76 دولارا أمريكيا.
ويستغرق السائقون في هذه الأيام، مدة ساعة لإعادة التزود بالوقود. ولهذا، فقد لجأ السائقون إلى طرق متطرفة كي لا يعودوا خالين الوفاض من الوقود: حيث قال لي أحد سائقي سيارات الأجرة إنه يقبع في الطابور منذ الرابعة صباحا عند محطة وقود تبدأ عملها في خدمة الزبائن في السابعة والنصف، بينما يقطع صديق لي مسافة 20 كيلومترا، حيث يقوم أحد معارفه بملء خزانه بالوقود. إذن، من أجل أن تنجو من هذه الحالة المتهاوية، فلا بد أن تكون لديك شبكة معارف جيدة، أو أن تكون صبورا جدا أو غنيا جدا: لأنه بمقدور الأغنياء الدفع أكثر مقابل خدمة توصيل الوقود أو إرسال سائقيهم الخصوصيين.
وبينما كان حسان دياب رئيس الوزراء المكلف بتصريف الأعمال، يتوسل إلى الدول الأجنبية للحصول على المال الأسبوع الماضي، قام بإدراج "طوابير السيارات" إلى قائمة المذلات اليومية، مثل نقص الأدوية وحليب الأطفال. وقال دياب إن ما يهدد بقاء لبنان، جعل تقديم المساعدات مشروطا بالإصلاحات. ولكن لم يتعاطف معه أحد من الشعب. وقد ألقى الزعماء الأجانب باللائمة على الحكومة في بيروت لإضاعتها الوقت - فقد طال انتظار اللبنانيين عبثا لتشكيل الحكومة مدة 11 شهرا تسببت فيها المشاجرات بين السياسيين.
تنبع أزمة الوقود من خسارة العملة اللبنانية لأكثر من 90 في المائة من قيمتها في غضون أقل من عامين، حيث لم تعد المصارف التجارية تمد الشركات بالعملة الصعبة لتأمين المشتريات من الخارج. ويعتمد لبنان على الواردات، لذلك تسبب انهيار العملة في تضخم جامح. ولوقف ارتفاع أسعار الوقود، قام البنك المركزي بدعم عمليات سعر الصرف باستخدام احتياطياته من الدولار. ولكن منذ اندلاع الأزمة المصرفية في أكتوبر 2019، انخفضت هذه الاحتياطيات إلى النصف. وفي الأسابيع الأخيرة، بدأت الحكومة المؤقتة برفع أسعار الغاز تمهيدا لرفع الدعم المكلف.
وبما أن الوقود لا يزال مدعوما، فإنه يتم تهريب كميات كبيرة منه إلى الجارة سورية، التي تعاني هي الأخرى نقصا في الإمدادات. ويكدس أصحاب المضخات مزيدا من الوقود، على أمل جني الأرباح عندما ترتفع الأسعار. وما يزال مزيد منها عالقا في الناقلات قبل أن يتم تفريغ حمولتها في انتظار الدولارات من البنك المركزي المدعوم.
وقد حاول وزير الطاقة بالوكالة تشجيع اللبنانيين على استخدام المواصلات العامة للتنقل والتخلي عن مركباتهم. لكن الحافلات الصغيرة تدار بشكل خاص، وتدفع الدولة لموظفي إدارة السكك الحديدية، لكن لا توجد في لبنان أي قطارات.
لقد بدأت رحلتنا الطويلة بالبحث عن البنزين في مدينة جبيل الساحلية الجميلة. حيث وجدنا خارج المدينة، محطة طال انتظارنا "السريع" فيها مدة 15 دقيقة لنحصل على نصف خزان ممتلئ - فمعظم المضخات تحاول موازنة التعبئة لزبائنها.
وبينما كنا متجهين شمالا، مررنا بأميال من طوابير السيارات المنتظرة. ثم حولت الحواجز التي نصبها المتظاهرون مسارنا. وبعد تأخرنا لمدة ساعة من الوقت، زحفنا إلى طرابلس ثاني أكبر المدن اللبنانية. حيث أربكنا وجود مزيد من الحواجز، ثم اقتربنا من طابور لتعبئة الوقود كان يسد الطريق. حينها اندفع رجل نحونا وهو يصرخ: "لقد حصل إطلاق نار هنا!"، وعندها استدارت السيارات محدثة صريرا، ثم عدنا إلى حيث تم تحويل مسارنا أول مرة.
بعد انقضاء عدة ساعات حيث وصلنا إلى وجهتنا في مدينة عكار الجبلية، تفاجأنا بأن محطات الوقود قد أغلقت أبوابها. حينها اشترينا الوقود من شاب يافع، كان قد حصل على جالونات بلاستيكية من البنزين "لم أسأله كيف ذلك؟". وبحلول الظهيرة، كانت لا تزال الحواجز وطوابير الوقود قائمة. لا تسألني كم استغرقت رحلة العودة.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES