Author

الصناديق الوقفية ودورها في استدامة موارد البرامج الاجتماعية

|

وقعت جامعة الملك عبدالعزيز مع البنك الأهلي السعودي برعاية من أمير منطقة مكة المكرمة، والرئيس الفخري للوقف، اتفاقية إدارة صندوق وقف لغة القرآن الاستثماري "مبين"، التي تهدف إلى تنمية الأصول الموقوفة للصندوق واستثمارها بما يحقق الاستدامة المالية لمشاريع لغة القرآن. وهذه المبادرة تعد تطورا في مجال الأوقاف، وتقدم تنوعا في مصادر التمويل، وتهدف إلى أن تكون إدارة موارد الوقف أكثر كفاءة. والحقيقة، أن هناك مجموعة من المبادرات فيما يتعلق بإدارة الوقف، وتوجد نماذج سابقة، مثل مجموعة من الصناديق التي تديرها شركة الإنماء للاستثمار، مثل صندوق الإنماء الوقفي لرعاية الأيتام، وصندوق الإنماء وريف الوقفي، الذي توقف وحداته لمصلحة مؤسسة مستشفى الملك فيصل التخصصي الخيرية.
هذا التطور مهم في هذا المجال، وهو الاستثمارات الخاصة بالأعمال الاجتماعية بصورة عامة. وهذه مبادرات يتوقع أن تحقق نجاحا على المستويين المتوسط والبعيد للمؤسسات الاجتماعية، التي بادرت بإطلاق هذه الصناديق لتنويع مصادر تمويلها من خلال استثمار مواردها وأصولها، إضافة إلى تشجيع المتبرعين للإسهام في دعم مشاريعها الاجتماعية التي نلمس جميعا أثرها بصورة واضحة.
يتميز هذا النوع من الوقف بالحوكمة، وأنه يعتمد معايير عالية في إدارة الصندوق، من خلال تسليم إدارة هذا الاستثمار إلى جهات متخصصة وذات كفاءة وخبرة في اختيار الاستثمار المناسب على المدى البعيد، كما أنها تعد ذات شفافية عالية، خصوصا بالنسبة إلى المتبرع، إذ إن هذه الأموال يتم الإشراف عليها من جهات حكومية متخصصة، لها خبرة في متابعة هذه الاستثمارات والتأكد من سلامة الإجراءات الخاصة بتلك الأموال.
من المهم اليوم أن يكون هناك تشجيع لمجموعة من المؤسسات للعمل على إنشاء صناديقها الوقفية، أو تكون بإدارة من قبل جهات متخصصة، ليعزز ذلك من استدامة تلك الموارد، وأن تشجع المجتمع والمانحين على التبرع لهذه الجهات ،ما يعزز من كفاءة إدارة الأموال وتعزيز الشفافية والحوكمة ولعل الجامعات معنية بهذا الأمر بشكل كبير خصوصا المشاريع النوعية في مثل الاهتمام بالقرآن أو مشاريع تعليم اللغة العربية، والبرامج المجتمعية بصورة عامة، أو العنصر الأهم في الدعم، وهو البحوث العلمية في مختلف المجالات التي من شأنها أن تحقق استدامة في الموارد للأبحاث العلمية، وزيادة الإنفاق عليها، من خلال مصادر متعددة. وقد أدرك العالم بعد الجائحة أهمية دعم البحوث لتسريع وتعزيز جودة النتائج.
إنشاء الصناديق الوقفية يمكن أن يكون عاما، ويمكن أن يكون متخصصا في مجال محدد، وهذا يعتمد على موارد الصندوق، فإذا ما كان يستهدف دعما من قبل المانحين، سواء من القطاع الخاص أو الأفراد، فإن تخصيص نوع البرنامج يمكن أن يكون مناسبا بصورة أكبر، لكن إذا ما كان المورد هو أصول تابعة للمؤسسة التي أنشأت الوقف أو متحصلات من خلال برامج وأعمال ربحية، فإن المناسب أن تكون صناديق عامة للمؤسسة ذات مرونة في تحديد الأعمال التي تستفيد من هذا الصندوق، إلا أن المبادرة بإنشاء صناديق من هذا النوع ستعزز مبكرا موارد المؤسسات الاجتماعية والخيرية، بل الحكومية، خصوصا في قطاعي التعليم والصحة، وتجعل من خدماتها أكثر مرونة وتأثيرا. من المقترح في هذه المرحلة أن يكون هناك منصات تشرف عليها هيئة الأوقاف، تهتم بالتعريف والتشجيع، للإسهام في هذه الصناديق الوقفية، وذلك على غرار منصة إحسان، أو يمكن أن تدرج ضمن الخيارات المتاحة لمنصة إحسان، لتوحيد منصات التبرع، بما يسهل من الوصول إليها ويطمئن المجتمع فيما يتعلق بموثوقيتها، كما أن على الهيئة العامة للأوقاف مسؤولية التعريف بهذه الصناديق الوقفية في المجتمع، حيث تعد الأوقاف أحد أفضل خيارات التبرع، ويمتد أثرها إلى ما بعد وفاة الشخص، ويبقى ثوابها ما بقي أصلها، وأثره في المحتاجين. هذا أحد أهم الحوافز التي تجعل المجتمع أكثر إقبالا على المساهمة في الأوقاف، بل سنشاهد مستقبلا أن كثيرا من الناس سيميلون في وصيتهم إلى تسليم هذه الأموال لصناديق الأوقاف باعتبارها أكثر استدامة من الأوقاف التي تدار من قبل أحد أفراد العائلة، الذي قد لا يكون لديه الكفاءة والوقت لإدارة أموال وقف والده.
فالخلاصة، إن الاهتمام بصناديق الأوقاف الاستثمارية تطور مهم في هذه المرحلة في ظل سعي المملكة إلى تعزيز مساهمة القطاع الاجتماعي والخيري بشكل أكبر للاقتصاد، بما يعزز من استدامة الموارد للجهات المستفيدة من الوقف. لذا، فإن المؤسسات التعليمية والخدمية بصورة عامة، إضافة إلى المؤسسات الخيرية والأفراد، ينبغي أن تفكر في خطط لإنشاء مجموعة من الصناديق الوقفية المتخصصة والعامة، بما يعزز من كفاءة واستدامة وشفافية إدارة أموال الأوقاف.

إنشرها