Author

حوكمة المنافسة والتنافسية والتنمية الاقتصادية

|
تعتمد الليبرالية الاقتصادية الحديثة - رغم تعدد أدواتها - على معيار المنافسة لقياس نجاح نظامها الاقتصادي، وأي اختلال في المنافسة يعني وجود خلل في مكونات النظام الأخرى، لذا نرى أمريكا معقل الليبرالية الاقتصادية وبعض الاقتصادات الغربية المتقدمة تضع حصانة مفرطة وسيادية للأسواق الداخلية من أي اختلال في المنافسة، لأن نجاح الليبرالية الاقتصادية الغربية يعتمد على كلمة واحدة تعد معيار نجاح مخرجات النظام الاقتصادي ألا وهي المنافسة، وفي الوقت نفسه لو تأملنا سياسات التدخل وعدم التدخل في الاقتصاد نجد غايات علماء الاقتصاد الغربيين تدور حول فكرة إعادة التوازن بين القطاعات الاقتصادية، أدى ذلك إلى نشوء اختلاف في وسائلهم، لكن مع الأسف حول البعض تلك الوسائل لغايات، وأصبح يدافع عنها كمقاصد نهائية لمفهوم تدخل الدولة أو وعدم تدخلها في الاقتصاد، وفي كلا الحالتين نلاحظ حكومات العالم تتدخل وتحقق الغاية النهائية وهو التوازن دون أن تلتفت إلى ما ينادي به البعض من التدخل أو عدمه، وأنا شخصيا لا تهمني الوسيلة بقدر تحقق النتيجة الاقتصادية وهو التوازن.
في المقابل هناك مصطلح آخر يدور في فلك المزاحمة التجارية وهي التنافسية الدولية والاختلاف الجوهري بين المنافسة والتنافسية، تركز التنافسية على أسواق التجارة الخارجية وقدرة أي بلد على بيع منتجاته للعالم من خلال قدرات الاقتصاد والسكان والموارد، ويعد من مفاهيم الاقتصاد السياسي، ولا سيما أنه يعكس أداء الحكومات في كفاءة إدارة الاقتصاد وتطوير الإنتاجية الكلية ورفع مستوى معيشة ودخل الفرد كنتائج مستدامة، كما أن التنافسية العالمية تعد دليلا على نجاح السياسة في إدارة الاقتصاد والمجتمع، ولعل ما يؤكد ذلك الاحتفاء السياسي بنتائج مؤشرات التنافسية، ولا يمكننا أن نشهد تنافسية عالية لأي بلد ما لم نر تنمية حقيقية في قدرات ومهارات ومعارف السكان، وهذا يتطلب الوفاء بالمؤشرات الأساسية والفرعية في مقاييس التنافسية العالمية، وتشمل البنية التحتية وكفاءة وفاعلية الإدارة الحكومية.
أما عند النظر من مستويات أعلى، فالتنمية الاقتصادية تعد نتيجة طويلة المدى لآثار النمو الاقتصادي السنوي عبر الناتجين المحلي الإجمالي والقومي، فالأول يقيس أداء الاقتصاد داخل الحدود السياسية، والآخر يقيس قدرات الدولة الاستثمارية والبشرية خارج حدودها السياسية، ومجموعهما يشكلان أساس التنمية الاقتصادية، ويمكن الاستدلال على نجاح أي تنمية اقتصادية من خلال تحسن مستويات المعيشة العامة للشعوب والصحة والتعليم، أي: إننا نقيس الآثار المتحققة من إدارة الناتجين المحلي والقومي للدول وانعكاسهما على رفاهية الناس والعدالة والتوزيع.
في الختام، أي لبس في مفاهيم المنافسة والتنافسية والتنمية الاقتصادية يؤدي لضعف المخرجات وتنازع المهام وتشتت الجهود، وتمنعنا من مساءلة أي جهاز تنفيذي بشكل أفضل، وللجمع بين دوري المؤسسات والسياسات الاقتصادية المنبثقة من مفاهيم المنافسة والتنافسية والتنمية الاقتصادية علينا تفعيل الحوكمة الاقتصادية لمهام الأجهزة التنفيذية، ووضع مؤشرات قياس للمخرجات النهائية لكل مفهوم.
إنشرها