عالم سياسة أمريكي هو الذي روج فكرة أن نهاية الحرب الباردة بمنزلة النصر النهائي للديمقراطية الليبرالية. بعد ثلاثة عقود، أصبحت ألمانيا وحدها في التمسك بأطروحة نهاية التاريخ لفرانسيس فوكوياما. قد يكون رحيل المستشارة أنجيلا ميركل لحظة لبرلين لفصل آمال الأمس التي تؤمن بها بصدق عن حقائق اليوم القاسية. لكن العلامات ليست مشجعة.
أرمين لاشيت، الذي حصل على القبول من المستشارة، هو المرشح الأوفر حظا لخلافتها بعد انتخابات أيلول (سبتمبر). هذا الأسبوع أنشأ كشك حملة الديمقراطيين المسيحيين. طموحات الصين لتكون من بين القوى العظمى ونزعة روسيا الانتقامية ربما تكون قد حطمت نظام ما بعد الحرب الباردة، لكن أفضل تلخيص لإجابة لاشيت هو أنها "باقون على العهد". وقال لـ"فاينانشيال تايمز" إنه فيما يتعلق بالقضايا الكبرى، لن يبتعد أبدا عن مواقف ميركل الحذرة دائما.
نعم، كما اعترف لاشيت، فإن تأكيد الذات الثابت من الصين في عهد تشي جين بينغ دفع أوروبا إلى اعتبارها "منافسة منهجية". وبالطبع، فإن استخدام روسيا للقوة العسكرية لإعادة ترسيم حدود أوروبا بضم شبه جزيرة القرم أمر "غير مقبول". لكن هل تريد أوروبا حقا أن تجعل بكين "خصما جديدا ؟. أما فيما يتعلق بازدراء بوتين للنظام الليبرالي، فينبغي على الغرب أن يسعى إلى "علاقة معقولة" مع موسكو. تقترح ميركل والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تعزيز العلاقات بين الاتحاد الأوروبي وروسيا.
شخص ساخر سيقول إن لاشيت تبنى ببساطة النزعة التجارية التي في الأغلب ما خففت من خطاب ميركل المتشدد حول القيم الديمقراطية. الصين أثمن أسواق الصادرات الألمانية، وسيضمن خط أنابيب "نورد ستريم 2" الجديد قريبا احتياجات ألمانيا من الطاقة من خلال الإمدادات المباشرة للغاز الروسي.
هناك تفسير أكثر لطفا قد يتعارض مع فكرة أن الغرب يجب أن يحقق توازنا في تعاملاته مع المستبدين. شخص ما يجب أن يكون بمنزلة ضابط على الصقور في واشنطن. القول إن الديمقراطيات يجب أن تتمسك بقوة بالنظام الدولي المفتوح والقائم على القواعد لا يعني أنه من المنطقي الاندفاع إلى حرب باردة مع الصين ومواجهة مع روسيا.
من المرجح أن يمزج موقف لاشيت بين احترام المصلحة الذاتية للشركات والحذر المعقول الذي يدعو إلى ضبط النفس. ومع ذلك، هناك خيط ثالث. لاشيت يخبر الناخبين بما يريدون سماعه. فهو يدرك التردد العميق من جانب الناخبين في رؤية العالم كما هو وليس كما يودون أن يكون.
قلة من عبروا عن ذلك بشكل أفضل من الدبلوماسي الألماني توماس باغر عندما أشار إلى أن نهاية التاريخ فكرة أمريكية أصبحت واقعا ألمانيا. قبل عامين، نشر باغر، الذي هو الآن مستشار للرئيس فرانك فالتر شتاينماير، مقالا في صحيفة "واشنطن كوارترلي" يعرض التحليل النهائي للنظرة الألمانية للعالم بعد الحرب الباردة.
يشير المقال إلى أن سقوط جدار برلين جلب أكثر من إعادة التوحيد. قرب نهاية قرن ارتكبت ألمانيا فيه خطأين كبيرين من الناحية التاريخية، كان انتصار الديمقراطية الليبرالية يضعها في الجانب الصحيح.
على حد تعبير المستشار آنذاك هيلموت كول، كانت ألمانيا لأول مرة محاطة بالأصدقاء. علاوة على ذلك، كانت في قلب أوروبا متكاملة كان من المقرر أن تكون نموذجا لبقية العالم. قد يستغرق الأمر وقتا، لكن روسيا والصين ودولا أخرى ستتقارب في النهاية.
مرت هذه "اللحظة الألمانية"، ولكن بعد فظائع النازية، ليس من المستغرب أن يرغب كثير من الألمان في التمسك بها. قدمت أولريكه فرانكه، باحثة شابة في المجلس الأوروبي للعلاقات الخارجية، شرحا أنيقا للطريقة التي علق بها جيل من مواليد الألفية بهذه النظرة.
كتبت في War on the Rocks، مراجعة تكساس للأمن القومي أخيرا: "كان العالم الاستثنائي الذي نشأنا فيه هو عالمنا الطبيعي. الأفكار التي تطورت من عام 1989 كانت قناعاتنا. الآن بعد أن عادت الجغرافيا السياسية، وتحديدا سياسات القوة الجيوسياسية، نحن تائهون". تبنى جيل باغر روح عام 1989، ولكن "نحن (جيل الألفية) ولدنا فيها وتشكلنا على أساسها".
لن يكون التخلص من هذه العقلية أمرا سهلا، خصوصا أنها تتناسب بشكل مريح للغاية مع المصالح الاقتصادية الأنانية. ومن الغريب أن حزب الخضر المسالم تقليديا الأكثر صراحة في الإشارة إلى التحديات من الصين برئاسة تشي وروسيا برئاسة بوتين. لكننا نرى أن حزب الخضر هم أقوى منافس للديمقراطيين المسيحيين بقيادة لاشيت. قد ينتهي الأمر بالاثنين في الائتلاف.
مهما كانت نتيجة الانتخابات، فإن خليفة ميركل سيكافح للحفاظ على التظاهر والحفاظ على ما تسميه فرانكه الشعور بالتفوق الأخلاقي الذي يأتي مع رفض الجغرافيا السياسية التقليدية. كان الحلم رائعا لكن ألمانيا لا تستطيع أن تجعله حقيقة.

