default Author

لا للفن

|
"دادا"، كلمة بسيطة بلا معنى، هي أول ما ينطقه الطفل حين يبدأ الكلام. استمدت منها إحدى الحركات الفنية الثورية اسمها "الدادئية" أو "اللاشيء" لتجد فنا جديدا يصور ويركز على الواقع أكثر من تركيزه على النواحي الجمالية.
لوحات شبه عشوائية، أدواتها كل ما يقع بين يديك من قصاصات المجلات أو الصحف، زجاج مكسور، عملات قديمة، معادن مهملة، علب فارغة، شعارات مختلفة، قطع خشب، ألعاب أطفال ممزقة ودراجات متآكلة، جمعت بينهم المصادفة، إذ تلعب الصدفة دورا رئيسا في معظم الأعمال الفنية الدادائية القائمة على تجميع الأشياء المهملة، ويبرز قدرة الفن على إيجاد عالم جديد من بقايا متصدعة، يتضح ذلك جليا في أعمال الفنان ماكس إرنست، حيث جسد في إحدى لوحاته مخلوقا غريبا جسده عبارة عن قنبلة إنجليزية ويديه، يدي راقصة شرقية، ومروحة يدوية تمثل غطاء لرأسه.
هذا الفن وليد الحروب، نشأ على أنقاض الحرب العالمية الأولى في سويسرا احتجاجا عليها وكردة فعل لما حدث في أوروبا من قتل وحرق، رغم ما يتميز به المجتمع الأوروبي من قيم، إلا أنها لم توقف قتل مليوني جندي.
إنه نوع من الاحتجاج على كل ما يحدث في المجتمع الأوروبي، فقد تعدى مفهوم الفن لديهم مسألة الجمال وخرجوا عن المألوف، ليعتنقوا نوعا من الجنون الفني، الذي أعطاهم المرونة في التعبير دون أن تؤخذ أعمالهم على محمل الجد. يقول الشاعر تريستان بازارا، "بدايات الدادائية لم تكن بدايات الفن بل بداية الاشمئزاز، فقد أعاد الدادائيون تخيل الفن بصورة استفزازية باستخدام مواد غير تقليدية، لتكوين لوحات كاريكاتورية ساخرة"، حول من خلاله الفنان "دوشامب" لوحة الموناليزا من امرأة جميلة إلى رجل بشارب وذقن.
وطور هوسمان الصورة المركبة من كونها أداة للسخرية فقط إلى الاحتجاج السياسي، والتعبير عن أفكار معينة في لوحته المكونة من رأس رجل ناقد بعينين غامضتين وقطعة أوراق نقديه ألمانية على شكل شظية زجاج موضوعة خلف رقبته، للتعبير على أن الرجل مسيطر عليه من قبل الرأسمالية.
إنه فن بسيط بعيد عن نخبوية بعض الأعمال الفنية التي يعتريها الغموض ولا يستطيع الشخص العادي فهم خطوطها ويعدها مجرد خربشات، ويسعى إلى جعل العمل الفني شعبويا يستطيع رجل الشارع العادي فهم الصورة حسب ما يقتضيه واقعه بعيدا عن تعقيدات الفن التقليدي هو "فن ضد الفن"، يقول لك: إن الحروب قادرة على تشويه جمال الحياة وتمزيق أوصالها، ولم يقتصر على الفن التشكيلي فقط، بل تأثر به الأدباء والشعراء والكتاب.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها