Author

الاستدامة الاقتصادية لمكة المكرمة

|

حجم ومواقع المدن يحددان أسلوب بناء اقتصادها، إلا أن مكة المكرمة لها بعد ثالث يتعلق بالقدسية وتوافد المسلمين إليها على أساس ديني دوريا وليس سياحيا، وهذا جعل اقتصادها يتسم بديناميكية اقتصادية، أي أن اقتصادها مستدام وتلقائي إلى حد كبير، ولا سيما أنه قديم وتشكل تاريخيا منذ عهد نبينا إبراهيم - عليه السلام. ينصب تركيز مقال اليوم على مبادئ استرشادية ومقترحية في منهجية ترسيخ استدامة مكة المكرمة اقتصاديا بما يتوافق مع خصائصها غير النمطية مقارنة باقتصادات المدن التقليدية.
وقبل ذلك يعلم الجميع أن الحكومات السعودية على تأريخها الطويل تبذل قصارى جهدها في تطوير الحرمين الشريفين، بتنفيذ عديد من المشاريع العمرانية والتطورية حتى وصلت إلى مستوى رفيع من الخدمات في الوقت الراهن بإدخال أحدث التقنيات والوسائل الخدمية لتسهيل أداء الحجاج والمعتمرين مناسكهم بيسر وسهولة. وشهدت منطقة الحرمين تطويرا هائلا خلال فترة وجيزة في جميع النشاطات، من خدمات فندقية وتوسعات في الحرم، ونحن حقيقة نشهد اليوم كيف يستخدم الحجاح وسائل النقل السهلة من القطارات منذ قدومه حتى مغادرته، باستخدام تقنية إلكترونية عالية الجودة. ونعود إلى موضوعنا للحديث عن الاستدامة الاقتصادية وفق النقاط التالية:
أولا، المنطقة المحيطة بالحرم لا تتخطى ستة كيلو مترات مربعة، بحسب بعض البيانات المتاحة، ولهذا فإن مكة المكرمة لها تضاريس جبلية صعبة، إضافة إلى وجود أحياء قديمة وعشوائية من أقدم الأحياء عالميا - إلا أن السعودية استهدفتها بالتنمية ولم تعزلها كما تفعل بعض الدول. وفي هذا السياق، علينا زيادة قطر المنطقة المحيطة بالحرم، لأنها مرتكز تطور اقتصاد مكة المكرمة، سواء من خلال إزالة أي كيانات عمرانية لا تخدم زوار الحرم ونقلها إلى الضواحي، ومواصلة إزالة بعض المناطق الجبلية، واستغلال مسارات الأودية الكبيرة المؤدية إلى الحرم، وتركيز المشاريع عليها عبر جعلها أكثر اتساعا، واستغلالها كممرات استراتيجية قابلة للتطوير والتعديل حاليا، ولاحقا في المستقبل.
ثانيا، الخدمات اللوجستية والنقل يفضل التعامل معهما استثماريا عبر تأسيس شركات وصناديق استثمارية تمول عبر صكوك إسلامية من مستثمرين أفراد ومؤسسات محليا ودوليا، لبناء وتشغيل أنظمة نقل عديمة الانبعاث، وأنظمة نقل خفيفة مثل القطارات المعلقة عبر خطوط أحادية وذاتية القيادة، تستخدم في المناطق المزدحمة، وقد نجحت دول في تطوير أنظمة نقل لمدن ذات تضاريس صعبة أو لمدن قائمة أصلا، كما في ألمانيا وماليزيا. ولتحقيق عوائد مالية سريعة يمكن تجزئة مشاريع النقل الذكي والخفيف من خلال الترسية على شركات متعددة، ولكل شركة خط نقل بنظام B.O.T من أطراف مكة المكرمة أو المشاعر المقدسة إلى الحرم والفنادق.
ثالثا، الاستدامة المالية لمكة المكرمة تتطلب نظاما اقتصاديا خاصا ورسوما دائمة تستقطع من تجارة وخدمات المنطقة المركزية ومن الأوقاف والحلول المالية الجديدة، إضافة إلى مخصصات من الميزانية العامة لتمويل مشاريع التمكين الاقتصادي، ويفضل أن تكون برامج الاستدامة المالية منخفضة التكلفة مع ابتكار موارد مالية مستحدثة، مثل تأسيس صندوق استراتيجي لتطوير مكة المكرمة، ويسمى بغرضه نفسه "صندوق مكة للاستدامة المالية"، وتورد له جميع ضرائب القيمة المضافة من مكة وضرائب خدمات المدينة والبلديات التي تفرض على الفنادق فقط، وأي رسوم أخرى مستقبلا، إضافة إلى عوائد الأوقاف القائمة والمستقبلية، كما يمكن فتح المجال للقطاع العائلي للمشاركة في حصص وقفية نقدية لحساب الصندوق، فمكة المكرمة تحتاج إلى نظام اقتصادي مستدام بعيدا عن الدورات الاقتصادية مهما كان شكلها، مع أهمية وضع رؤية واضحة لجعل مكة المكرمة أول مدينة مستدامة ماليا واقتصاديا عبر أنظمة وقفية وأساليب مبتكرة للاستدامة المالية والاقتصادية معا.

إنشرها