Author

«هواوي» وإصلاح ذات البين بين الصين والسويد

|
وبينما يمرر جاج أولسون ركاض حاسوبه على الرسائل التي تكدست في بريده الإلكتروني، وقعت عيناه على خطاب من أحد السفراء المهمين في ستوكهولم.
وما إن نقر على العنوان، وإذا به أمام نص لم يتوقعه حتى في أوحش أحلامه. ولشدة انذهاله وخوفه، ما كان منه إلا إرسال النص للشرطة وتبليغهم أن خطبا قد يحدث له.
نص الرسالة كان فيه تهديد واضح لأولسون وتحميله تبعات كتاباته النقدية في صحيفة سويدية شهيرة.
من يكون السفير يا ترى؟
وأي سفير يتجرأ على تهديد صحافي سويدي بتبعات خطيرة إن لم يكف عن الهجوم المستمر الذي يشنه على الدولة التي يمثلها؟.
قد يتبادر إلى ذهن القراء الكرام أن السفير هذا لا بد أن يمثل الولايات المتحدة، حيث لا يتورع دبلوماسيوها عن الدلو بمواقف أو نشر تصاريح أو إرسال خطابات يصعب على الآخرين حتى التفكير فيها.
أو قد يكون السفير هذا ممثلا لدولة لها شأن كبير في السويد إلى درجة يرى فيها أن لا حرج للكتابة إلى صحافي من أجل التنبيه أن كتاباته النقدية تجاوزت الحد المسموح به وإن لم يضع قلمه جانبا، فإن عواقب وخيمة ستكون في انتظاره.
الدولة التي لها شأن في السويد، أو التي تضعها السويد في الحسبان قبل اتخاذ أي خطوة ما هي إلا الصين. والسفير الذي كتب رسالة إلكترونية، مهددا صحافيا سويديا لم يكن إلا السفير الصيني في ستوكهولم.
وهب الإعلام السويدي ومعه الأحزاب السياسية والبرلمان للدفاع عن الصحافي أولسون، وعلت أصوات مطالبة بطرد السفير الصيني، لكن الأقوال والتصريحات والمواقف شيء والمصالح التجارية شيء آخر.
وقف المجتمع التجاري والصناعي السويدي معارضا أي توجهات أو خطوات رسمية تؤجج الموضوع، أو بالأحرى تؤثر في مصالح السويد في الصين، أو من وجود الصين في السويد.
الصينيون حاضرون بكثافة في السويد بعد تملكهم عشرات الشركات الكبيرة، ولهم استثماراتهم الواسعة في البلد الذي يؤدي إلى تشغيل عشرات الآلاف من الأيدي العاملة.
وعندما استبعدت السويد شركة هواوي من الاشتراك في المناقصات الخاصة لإنشاء البنى التحتية لشبكة الجيل الخامس للإنترنت، وقفت شركة إريكسون السويدية الشهيرة ضد القرار خشية أن يوثر ذلك في نشاطاتها في الصين.
"إريكسون" كانت الشركة رقم واحد في العالم لتجهيز أسواق الاتصالات بالبنى التحتية. ورغم أن "هواوي" حديثة العهد "أسست عام 1987" مقارنة بـ "إريكسون" "أسست عام 1876"، إلا أن الأولى لحقت بالأخيرة وسبقتها.
كانت هناك خشية كبيرة في السويد من أن تتخذ الصين إجراءات ضد "إريكسون" ونشاطها في الأسواق الصينية بعد القرار السويدي القاسي لحرمان "هواوي" من المشاركة في تحديث بنى الإنترنت السويدية -أقول "القاسي" لأن السويد ذهبت أبعد من الدول الأوروبية الأخرى في قطع درب "هواوي" من المشاركة في مناقصات الجيل الخامس.
رفعت "هواوي" قرار الحكومة السويدية بحرمانها من المشاركة في مناقصات الجيل الخامس إلى المحاكم، ولا يزال هناك أمل في تغير المواقف.
قصة "هواوي" في السويد قصة شيقة. لقد جلبت هذه الشركة العملاقة - التي لم تفلح عظمة أمريكا ومعها حلفاؤها الغربيون في تركيعها رغم ما يفرضونه عليها من حصار وعقوبات - للصين من مزايا ما قد يفوق الانتصار في معركة حاسمة.
قصة "هواوي" تبناها المجتمع التجاري والصناعي السويدي، الذي يدعو اليوم صراحة إلى فصل المصالح التجارية عن التوجهات السياسية.
المصالح، تجارية كانت أم غيرها، لها الأفضلية في العلاقات الدولية، لكن السويد وإلى وقت متأخر كانت تحاول التشبث بمواقف أو وجهات نظر الأفضلية فيها لما تراه يقع في خانة الأخلاق وحقوق الإنسان، ولهذا تدعي السويد أنها تمتنع عن بيع سلاحها الفائق التطور إلى الدول التي هي في حالة حرب أو تقع فيها انتهاكات خطيرة لحقوق الإنسان.
ربما الموقف من "هواوي" بدأ يفرض على السويد توجها مختلفا في الأمور التجارية، التي يريدها أصحاب الأعمال أن تكون خارج الرغبات ووجهات النظر السياسية.
لا غرابة أن يكون مقر "هواوي" في ضواحي ستوكهولم مقابلا لمقر شركة إريكسون وبالذات في منطقة كيستا، حيث تتكدس كبرى الشركات المعرفية وشركات التواصل والذكاء الاصطناعي في السويد والعالم مكونة ثاني أكبر تجمع لها بعد سيليكون فالي في الولايات المتحدة.
وكثيرون يمنحون "إريكسون" الحق للوقوف في وجه الحكومة السويدية في حرمان "هواوي" من المشاركة في تشييد البنى التحتية للجيل الخامس للإنترنت.
لكن الصين حالة خاصة بالنسبة للسويد ومعها ربما شركاؤها في الاتحاد الأوروبي: وجود الصين في السويد حيوي للاقتصاد السويدي، ووجود السويد في الصين حيوي أيضا للاقتصاد السويدي، معادلة ذات طرفين، تميل كفتاها لمصلحة الصين في أي صراع تجاري.
سيكون أكبر مكسب للصين لو أن إجراءات الحكومات الغربية ضد "هواوي" أدت إلى تغيير في المواقف، ليس الحكومية، بل مواقف الشريحة المؤثرة من التجار والشركات وأصحاب المصالح والعلماء والباحثين.
وهذا يبدو ما يحدث حاليا في السويد، حيث ينبري السفير الصيني مؤنبا ومهددا ومحذرا صحافيا سويديا دون أن يكون لموقفه غير المسبوق هذا أي تبعات ليس فقط على التجارة، بل حتى على السياسة.
إنشرها