Author

تنظيم وطني لاستعمالات الأراضي

|
موضوع استعمالات الأراضي، من المواضيع التي تنطوي على آثار اقتصادية ناتجة عن توسعنا في إشغال المكان بشكل منظم أو عشوائي، سواء كان ذلك التموضع طويل الأمد أو قصيرا بسبب الملكية الدائمة أو المؤقتة، كما أن استعمالات البعد المكاني بطريقة عشوائية يضيف إلينا مشكلات اقتصادية قد تكون خفية وغير ظاهرة، وكثيرا ما أهملها الاقتصاديون في حديثهم وفي مقالاتهم وفي طروحاتهم الاقتصادية، التي تظهر لاحقا في صورة مشكلات اقتصادية متبوعة بمجموعة واسعة من المشكلات الاجتماعية التي تعوق عمليات التخطيط وما يتبعها من سوء تصنيف اقتصادي لاستخدامات الأراضي وتعارض قانوني واجتماعي لا يمكن تجاوزه إلا بتكاليف تعويضية مرتفعة أو فرض سياسات النفع العام على حساب النفع الخاص المستقر، أو طمس معالم تاريخية وفق قرارات هندسية لا تستند إلى تنظيم يحميها من التعارض وتقاطع المصالح.
استعمالات الأراضي تتحدد بناء على الاحتياجات الاقتصادية والسكانية، لذا نجد - على سبيل المثال - أن قطاع الخدمات قد يعاني سوء التوزيع الجغرافي في المدن بسبب ضبابية استخدام الأراضي، وفي الوقت ذاته لدينا في المملكة مناطق مقدسة، مثل مكة المكرمة والمدنية المنورة والمشاعر المقدسة، ولها وظائف غير نمطية، إضافة إلى شواطئ وجبال ومناطق صحراوية، وكل تلك الأراضي لها استخدامات قد لا تمتلك وصفا اقتصاديا أو تنظيميا يحدد أغراضها، ما قد يعرضها لعمليات توزيع عشوائي وسوء استعمال للأراضي لاحقا، إضافة إلى تباين حجم البنية التحتية والإنفاق عليها في كل ميزانية وتذبذب الإنفاق وعدم كفاءة الترابط بين أعوام الإنفاق على البنية التحتية، كما أن سوء استخدام الأراضي يحرم المدن من عدالة التوزيع وتشتت عمليات الإنفاق الرأسمالي للدولة، كما أن التفضيل المكاني السكني أصبح يحدده محتكرو الأراضي، وهذا عيب تنموي.
سوء تنظيم استعمالات الأراضي يشكل عبئا إضافيا على الإدارة المحلية، ولا سيما في المناطق البعيدة عن المدن، كما أنه يؤدي إلى اختلال توازن الإنفاق على المناطق البعيدة جغرافيا ويقلص من فرص انتقال بعض الصناعات إلى المدن الصغيرة أو الانتفاع بمميزات وحوافز قد يطرحها صناع القرار الاقتصادي في المناطق ذات النمو المنخفض.
تشتت الموارد الاقتصادية والناتج من عدم وضوح استعمالات الأراضي، يرفع من التكاليف الاستثمارية والبيئية، كما أن غياب نظام ينظم استعمالات الأراضي، يحجب نشوء مدن متخصصة في الصناعات المتخصصة، ويقلص من فرص تكونها بالقرب من الموانئ، ولا سيما أن الصناعات الثقيلة تحتاج إلى مواقع جغرافية مطلة على البحار.
التنظيم المكاني للأنشطة الاقتصادية والسكانية وحماية الموارد الطبيعية، أصبح ضرورة، ولذا نحن بحاجة إلى نظام وطني يحدد استعمالات الأراضي بمختلف مستوياتها، سواء داخل المدن أو في الضواحي وفي المساحات المفتوحة، كالصحراء والجبال وعلى الشواطئ وفي السهول، بشكل يحقق التوازن بين السياسات العامة والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحديد أساليب وطرق الانتفاع بالأراضي استراتيجيا، وبناء سياسات توجيهية واسترشادية فيما يخص الاقتصاد المتعلق بالانتفاع بالأراضي.
إنشرها