FINANCIAL TIMES

جاك ما .. الملياردير الأكثر صراحة في الصين يلتزم الصمت

جاك ما .. الملياردير الأكثر صراحة في الصين يلتزم الصمت

جاك ما غائب عن المشهد منذ عدة أشهر.

جاك ما .. الملياردير الأكثر صراحة في الصين يلتزم الصمت

لم ير أحد جاك ما في كلية الإدارة التي أسسها، ولا في استوديو تاي شي الخاص به. وتم تأجيل خطاباته الصاخبة التي تتصدر الاجتماع السنوي لأصحاب المشاريع في مسقط رأسه في مقاطعة تشجيانج.
منذ أن تم بشكل غير متوقع إلغاء عملية الاكتتاب العام الأولي الضخمة لمجموعة آنت، شركة المدفوعات والإقراض التابعة لجاك ما، قبل خمسة أشهر، ظهر جاك ما بشكل علني مرة واحدة.
في أحد أيام الأحد الباردة في كانون الثاني (يناير)، وصل دون سابق إنذار إلى مدرسة ابتدائية صغيرة بعيدة عن الطريق في منطقة تونجلو الريفية. كانت الملاعب فارغة ولم يكن هناك سوى عدد قليل من المعلمين في المدرسة. لم يتوقع أحد وصول صاحب المشاريع الأكثر لمعانا في الصين، وهذا بالضبط ما كان يريده فريق جاك ما.
كان في المدرسة لتصوير مقطع قصير وآمن سياسيا يسلط الضوء على أنشطته الخيرية - والأهم من ذلك، لإعلام العالم أنه لا يزال حرا. لكن الظهور كان يدار بعناية وتم رفض المدرسين الذين تنافسوا لالتقاط صورة شخصية معه. وسمح لطاقم الكاميرا الخاص به فقط بالتصوير.
يتذكر المدير تشين جيان تشيانج، "في الغالب استمع إلينا فقط نتحدث عن التعليم". وعد بالعودة في زيارة ثانية ذات يوم عندما يكون الأطفال حاضرين. يقول تشين، "لم تكن الأمور على ما يرام بالنسبة له أخيرا، لذلك لا يريد الظهور علنا".
العلامة المرئية الوحيدة التي تركها جاك ما بعد زيارته التي استمرت ساعة كانت خربشة مكتوبة على جدار أحد المهاجع. يعلق نائب المدير وو بين قائلا، "يمكننا القول فقط إن خط يد المعلم جاك ما ليس جيدا جدا". في الواقع، يقول الأصدقاء إن جاك صاحب خط جميل للغاية، لذلك كانت الخربشة علامة على أنه كان في عجلة من أمره.
بعد فترة وجيزة من رحلته، تم تلخيص الزيارة في مقطع فيديو تصدر العناوين الرئيسة العالمية: جاك ما عاد للظهور. استعادت علي بابا، شركة التجارة الإلكترونية العملاقة التي أسسها في 1999، قيمة سوقية بلغت 47 مليار دولار وأعيدت خطة المجموعة لبيع سندات بمليارات الدولارات للمستثمرين الأجانب إلى مسارها الصحيح.
لكن حقيقة أنه اضطر إلى القيادة لساعات في الريف الصيني لتصوير مقطع فيديو قصير من أجل عودة الظهور هي علامة على مدى سرعة ووحشية سقوط جاك ما. قبل بضعة أشهر، كان في قمة الأعمال العالمية. ترقب المصرفيون الغربيون احتمال عملية الاكتتاب العام الأولي التي بقيمة 37 مليار دولار لمجموعة آنت، التي فصلها جاك ما عن مجموعة علي بابا. في رسالة إلى العملاء، أشاد مايكل جرايمز، كبير مصرفيي التكنولوجيا في مورجان ستانلي بـ"صفقة تاريخية ومميزة حقا".
ثم اعتلى جاك ما المنصة في شنغهاي، العاصمة المالية في الصين، للتحدث إلى مجموعة تضمنت كبار المسؤولين والمنظمين السابقين مثل محافظ البنك المركزي السابق. قال إنه تم تحديد السعر "لأكبر عملية اكتتاب عام أولي في تاريخ البشرية. علاوة على ذلك، للمرة الأولى على الإطلاق، تم تحديدها في مدينة أخرى ليست نيويورك (...) هناك معجزة تحدث".
لكن ما قاله جاك ما بعد ذلك، وضع مصالح الشركات الخاصة فوق مصالح الدولة الصينية وتحدي هيئات التنظيم المالية، وهو ما غير مسار الأحداث بشكل كبير. في الأيام التي تلت ذلك، استدعته السلطات إلى بكين من أجل توبيخ مقتضب وكشف النقاب عن اللوائح التي تهدف إلى إلحاق الضرر بإحدى ركائز أعمال مجموعة آنت.
مع الإلغاء المفاجئ للتعويم الذي تم الترويج له بشدة، خسر جاك ما نحو عشرة مليارات دولار من قيمة ثروته الشخصية، بينما انخفضت الأسهم في مجموعة علي بابا المتداولة في البورصة ما يصل إلى 10 في المائة. حدث شيء آخر أيضا: جاك ما الرحالة المدمن على الأضواء اختفى ببساطة.
مئات الملايين من الأشخاص في الصين يستخدمون كل يوم المنتجات التي ابتكرها جاك ما. يفتحون تطبيق علي باي التابع لمجموعة آنت على هواتفهم لدفع ثمن القهوة، وطلب توصيل صحن من الزلابية إلى أبوابهم، أو إعادة تعبئة عدادات الكهرباء الخاصة بهم. ملايين آخرين يضعون مدخراتهم في صناديق سوق المال التابعة لمجموعة آنت. لذلك يأخذ كثيرون قروضا صغيرة من تطبيق علي باي لدفع ثمن الضروريات اليومية بحيث إنها في الغالب حلت محل البطاقات الائتمانية وحولت مجموعة آنت إلى أكبر مقرض استهلاكي في الصين، حيث أصدرت نحو عشر الائتمان الاستهلاكي العام الماضي.
غالبا ما ينفق هؤلاء المستهلكون أموالهم في أسواق علي بابا على الإنترنت: تقدم تاوباو، التي ترجمتها هي "البحث عن الكنز"، نحو مليار منتج، كل شيء من أجهزة آيفون إلى السحالي الأليفة، تملك تي مول Tmall المحال التجارية على الإنترنت لأكبر العلامات التجارية في العالم. تبيعان معا ما يساوي نحو تريليون دولار من البضائع سنويا، أي تقريبا ضِعف المبلغ المقدر للتدفق عبر أمازون.
مثل جيف بيزوس مؤسس أمازون في الولايات المتحدة، قام جاك ما بقيادة علي بابا إلى عالم غير متصل بالإنترنت أيضا، من خلال شراء سلاسل المتاجر الكبيرة وحصص في متاجر التجزئة لأثاث المنازل ومجموعات الإعلام الرائدة في الصين.
تنحى جاك ما، البالغ من العمر 56 عاما، من منصب رئيس مجلس الإدارة التنفيذي في مجموعة علي بابا في 2019. لم يكن له دور رسمي في مجموعة آنت منذ أعوام، لكنه يظل المساهم المسيطر فيها بعد أخذ الأعمال من مجموعة علي بابا ومستثمريها الأجانب المتقلبين قبل نحو عقد من الزمن. لكن على الرغم من تنازله عن المنصب، إلا أنه يستمر في إشراك نفسه في إدارة كلتا الشركتين، كما يقول أشخاص مقربون منه. لا يزال واحدا من أهم أصحاب المشاريع في العالم وقد أصبح سفير النوايا الحسنة غير الرسمي للصين، حيث تبرع بآلاف أجهزة التنفس الاصطناعي وأكثر من 100 مليون كمامة إلى دول في جميع أنحاء العالم في بداية الوباء العام الماضي. وهو عضو في لجان الأمم المتحدة وجهات اتصاله تتضمن ملوكا وملكات، ورؤساء جمهورية ورؤساء وزراء.
لكن جاك ما جلب على نفسه المتاعب قبل وقت طويل من العام الماضي. ساعده أتباعه الشبيهون بالطائفة على بناء نفوذ لا مثيل له لرجل أعمال في الصين، لكنه أصبح قويا جدا في دولة لا تسمح سوى بمركز قوة واحد. الآن القائد الأعلى تشي جين بينج يهدد بسحقه، في منافسة تجسد التناقض في قلب الصين الحديثة - احتضان الحزب الشيوعي الحذر لأصحاب رؤوس الأموال الذين يقودون النمو الاقتصادي في البلاد.
خلافات أصحاب المليارات مع الدولة بسبب المخاوف التنظيمية أو الفساد أو غيرها من أشكال الإهانات المتصورة أصبحت متكررة جدا في الأعوام الأخيرة بحيث ظهرت قاعدة جديدة: الابتعاد عن الأضواء. بعضهم، مثل وانج جيانلين، مؤسس تكتل العقارات، واندا، التزموا الصمت أثناء تقليص أعمالهم. آخرون، مثل وو تشياوهوي من تكتل التأمين، آنبانج، انتهى بهم الأمر في السجن، واستولت الدولة على إمبراطورياتهم.
يقول روبرت هوجويرف، الذي يوثق أصحاب المليارات في الصين منذ عقدين من الزمن في قائمته، هورون للأثرياء، "لديهم جميعا أسبابهم الخاصة لالتزام الصمت. بالنسبة لجاك ما، الأمر غير عادي. لقد كان صاحب مشاريع رفيع المستوى منذ البداية. إنه مثل ريتشارد برانسون - استخدم ملفه الشخصي لبناء أعماله".
المقابلات مع أشخاص في دائرة جاك ما والمسؤولين في هانجتشو والمنظمون في بكين تظهر أن الخلاف كان ينمو مع القادة الصينيين منذ فترة، حتى قبل أن ينحرف خطاب جاك ما في شنغهاي عن المسار الصحيح. على وجه الخصوص، لقد سئموا من كون جاك ما دائما هو نجم العرض.
يقول سونج تشينجوي، وهو اقتصادي مستقل يسهم في وسائل الإعلام الحكومية الصينية، "جمع جاك ما قدرا كبيرا من النفوذ، هذا أمر مفهوم للجميع في الصين. نما تأثير علي بابا بشكل كبير للغاية. وصلت إلى مرحلة حيث كان لا بد من السيطرة عليها".
استعرضت "فاينانشيال تايمز" تعاملات جاك ما التجارية المبكرة لفهم كيف تفوق في أفضل الأوقات على المساهمين الأجانب والمنظمين مع قليل من العواقب، وكيف زاد نفوذه في الصين، وكيف سعى للعالمية ما أثار قلق بكين في نهاية المطاف. ما سيحدث بعد ذلك ليس مؤكدا على الإطلاق، لكن الجواب سيكشف الكثير عن المكان الذي تتجه إليه الصين.
ولد جاك ما في 1964 لعائلة عادية في مدينة هانجتشو الساحلية. كان والداه فنانين متحمسين لرواية القصص الموسيقية التقليدية، وهو ما يوفر أدلة عن مصدر تألق جاك. يبلغ طول جاك نحو خمسة أقدام، لكن شخصيته الجذابة كبيرة: في جوهره، هو بائع يعرف كيف يروي قصة. في التسعينيات، بدأ يدعو لاستخدام الإنترنت في دولة بالكاد سمع عنها من خلال ابتكار اقتباس من بيل جيتس بشأن أهميتها. "الإنترنت ستغير كل جانب من جوانب حياة الناس".
في الصين، أصبح تاريخه الشخصي أسطورة العصر الحديث للتغلب على الصعاب. استغرقه اجتياز الاختبار الصيني الصعب للدخول إلى الجامعة ثلاثة أعوام. شركة KFC رفضته للعمل بوظيفة في مطعم. في النهاية، الأعوام التي قضاها في صقل لغته الإنجليزية من خلال أخذ الأجانب في جولات في مسقط رأسه ساعدته على التفوق في الجامعة. أصبح جاك مدرس لغة إنجليزية، ثم أسس أول شركة ناشئة على الإنترنت، China Pages، التي كانت تصمم صفحات المواقع الإلكترونية للشركات.
بحلول منتصف التسعينيات، كانت البلاد تتغير بسرعة. كان الرئيس الصيني دينج زياو بينج قد أطلق العنان لدوافع المجتمع الأنانية قبل ما يقارب عقدين من الزمن، بتحفيز الشركات الخاصة عبر جملته: "سواء كانت قطة سوداء أم قطة بيضاء، إذا كان بمقدورها اصطياد الفئران، فهي قطة جيدة".
كان الاقتصاد قد انطلق بالفعل، حيث بدأ طفرة نمو استمرت عقودا جعلت الصين ثاني أكبر اقتصاد في العالم وقوة عالمية. كان القطاع الخاص يقود الطريق وكثير من الشركات المملوكة للدولة تلاشت أو تم إصلاحها. كما أصبح الحزب الشيوعي أكثر اعتمادا بكثير على القطاع الخاص من أجل النمو وتوفير الوظائف والإيرادات الضريبية. في 2002، رحبت الدولة الشيوعية رسميا بالطبقة الرأسمالية المتنامية، حيث دافع الرئيس جيانج زيمين عن نظرية Three Represents، وهي نظرية سياسية تعترف بأصحاب المشاريع من القطاع الخاص على أنهم "قوى إنتاجية اجتماعية متقدمة".
لكن العلاقة كانت هشة واستمرت الصين في تفضيل الشركات المملوكة للدولة في الحصول على القروض والتراخيص. جاك شهد هذا مباشرة عندما قام بطل محلي في هانجتشو بتكرار أعمال شركة China Pages، تاركا إياه من دون خيار سوى بيعها إلى هذه الشركة الوافدة الكبيرة المدعومة من الدولة. في النهاية، وجد نفسه بلا حيلة وبالتالي غادر.
هذه التجربة شكلت علاقته مع الدولة - محترمة، لكن بعيدة. يطلب جاك ما من الموظفين أن "يحبوا الحكومة، لكن "عدم" الارتباط بها"، على الرغم من أنه قال أيضا إنه سيقوم بتسليم شركته بالكامل "للأمة" في أي وقت إذا طلب منه ذلك. مع أنه عضو في الحزب، إلا أنه لم ينضم إلى البرلمان الصيني أو المؤتمر الشعبي الوطني أو هيئته الاستشارية، على عكس المنافسين في مجال التكنولوجيا، مثل بوني ما، من تنسنت وروبن لي، من بايدو. يقول أحد الأشخاص الذين عملوا مع جاك ما في هانجتشو، "لا يعرف الحزب ما إذا كان بإمكانه الوثوق به".
في 1997، قرر جاك معرفة المزيد عن كيفية عمل الحكومة وانضم إلى وزارة التجارة الخارجية والتعاون الاقتصادي، التي أصبحت الآن وزارة التجارة الصينية. معرفة استخدام الإنترنت واللغة الإنجليزية منحاه دورا في مرافقة المؤسس المشارك لموقع ياهو، جيري يانج، إلى السور العظيم عندما قام قطب الإنترنت الأمريكي بزيارة الصين في ذلك العام. قال يانج في وقت لاحق، "شعرت بالذهول على الفور من مدى حبه للاستطلاع ومدى فضوله بشأن الإنترنت. من الواضح أنه لم يكن الشخص الحكومي الأنموذجي فعلا".
لم يبق جاك في الحكومة لفترة طويلة. في 1999، جمع مجموعة من الأصدقاء في شقته في هانجتشو لإطلاق شركة علي بابا، بهدف ربط المصانع الصينية بالمشترين في جميع أنحاء العالم عبر الإنترنت. بعد السقطات الأولية، انطلقت الشركة. توافد الوسطاء والعلامات التجارية إلى الصين بحثا عن البضائع الرخيصة لبيعها في وطنهم. علي بابا ربطتهم بالموردين. وكان جاك ما في طريقه للقمة.
العقد التالي جلب الكارثة المالية إلى أوروبا وأمريكا لكن الصين كانت مليئة بالثقة، خاصة شركات التكنولوجيا الرائدة فيها، التي كانت على وشك إحداث ثورة الهواتف الذكية التي من شأنها زيادة قاعدة مستخدميها بشكل كبير. بدأ تطبيق علي باي بتجربة رموز الاستجابة السريعة التي غيرت الحياة اليومية في الصين من خلال الدفع عن طريق الهاتف الذكي الموجود في كل مكان.
كانت علي بابا في قلب كل هذا. أصبحت المكان الذي تشتري منه الطبقة المتوسطة سريعة التوسع في البلاد البضائع عبر الإنترنت. لكن جاك ما واجه مشكلة. فقد أجبر على تقليص حصته الشخصية في علي بابا من أجل استمرارية الشركة في العقد الأول من تأسيسها. اشترى "جولدمان ساكس" وأصحاب رأس المال المغامر في البداية 50 في المائة من علي بابا، ثم اشترت مجموعة التكنولوجيا اليابانية سوفتبانك أسهما، لتتراكم ببطء إلى حصة بنسبة 30 في المائة، وأخيرا دخلت ياهو للاستحواذ على 40 في المائة أخرى. حصة ما من الكعكة تقلصت إلى شريحة رقيقة.
بحلول 2011، امتلك المساهمون الأجانب، ياهو وسوفتبانك معا، أغلبية علي بابا. جاك ما، الذي شعر أن الشركتين حصلتا بالفعل على مكافأة كبيرة مع ارتفاع تقييم الشركة الناشئة، أخذ يلح على الشركتين لتسليم مزيد من الأسهم إلى الإدارة، بحسب ما يتذكر أشخاص قريبون من الموقف. قال في ذلك الصيف عن علاقته مع ماسايوشي سون، رئيس سوفتبانك: "في الأعوام الماضية كنا نقتتل دائما". كانت العلاقة مع "ياهو" متوترة أيضا. بدأت شركة الإنترنت الأمريكية الرائدة في تراجعها الطويل، لكن المستثمرين أرجعوا معظم قيمتها المتبقية إلى حصتها في مجموعة علي بابا، التي كانت تتألف من ثلاث شركات رئيسة: علي بابا دوت كوم، وتاباو، وعلي باي.
بعد ذلك، في ربيع 2011، قرر جاك ما الاستحواذ من جانب واحد على علي باي (التي تم تغيير اسمها إلى "مجموعة آنت" في 2014). يقول مدير تنفيذي سابق كان على علاقة بما حدث: "ذهلت كل من ياهو وسوفتبانك. جاك كان يهدد باستخدام إجراءات قوية على مدى شهرين، لكن لم يتوقع أحد أي شيء يتعلق بعلي باي - ولا أي شيء بهذا القدر الضخم. من الواضح أن لديهم خططا كبيرة لعلي باي".
تظهر سجلات الأعمال والوثائق القانونية الصينية التي استعرضتها "فاينانشيال تايمز" لأول مرة كيف نفذت شركة جاك ما عملية الاستحواذ على علي باي. أولا، في أيار (مايو) 2009، بدأت علي بابا في إعادة هيكلة كيفية استحواذها على علي باي، حيث ساعد مساعد جاك ما الأيمن، جو تساي Joe Tsai على تحويلها من شركة فرعية مباشرة لعلي بابا إلى شركة صينية محلية مملوكة بشكل رئيس لجاك ما شخصيا. نظرا لأن جاك ما أبرم في وقت واحد سلسلة من العقود مع علي بابا، فقد استمرت الشركة في معاملة علي باي على أنها شركة تابعة. هذا الترتيب التعاقدي الذي يبدو غير عادي بين الشركة الأم والشركة التابعة "يسمى كيان المصلحة المتغيرة VIE" هو في الواقع الذي يقوم عليه النظام البيئي التكنولوجي بأكمله في الصين.
أظهرت تصرفات ما أن الثقة هي فقط ما يربط النظام معا. دون موافقة مجلس إدارة علي بابا، ألغى العقود القانونية التي جعلت علي باي شركة تابعة لعلي بابا، حيث جعلها تحت سيطرته الشخصية.
في 10 أيار (مايو) 2011، أدخلت ياهو بشكل غير واضح سطرا عاديا في تقرير أرباحها، حيث أبلغت مستثمريها بأنها فقدت علي باي لمصلحة جاك ما. وانخفض سعر سهمها واندلعت حرب كلامية. ادعى جاك ما أن هذه الخطوة ضرورية لعلي باي للحصول على ترخيص مدفوعات مهم من البنك المركزي الصيني، الذي يمكن رفضه إذا كان تحت ملكية أجنبية.
في بنك الشعب الصيني، شعر بعض المسؤولين أن جاك ما أثبت ولاءه للصين مفضلا إياها على أصحاب المصلحة الأجانب، ورأى آخرون أنه يستفيد شخصيا من عدم اليقين التنظيمي مع إلقاء اللوم على كونه تابعا لهم. لم يستجب جاك ما لطلب إجراء مقابلة معه بخصوص هذا الموضوع، أرسِل إليه عبر موقع علي بابا. ولم ترد علي بابا وآنت ومؤسسة جاك ما على أسئلة مرسلة للتعليق.
ما لم يتوقعه جاك ما هو رد الفعل الشعبي العنيف في الصين. خشي كثير من أصحاب المشاريع من أنه يقوض نظام التمويل الذي يعتمدون عليه لجمع الأموال من المستثمرين الأجانب، وفي النهاية، للاستفادة من الأسواق الأجنبية. كتب محرر الأخبار الصيني الأكثر احتراما، هو شولي، من مجلة Caixin، افتتاحية استنكر فيها تصرفات جاك ما.
قال جاك ما لمراسل صيني: "في الأصل لم يكن موضوعا له أهمية كبيرة. الضغط يأتي من النقاد ووسائل الإعلام هنا". في وقت لاحق، قاد علي بابا وآنت لشراء حصص في شركات الإعلام الصينية، واكتسب بعض السيطرة على ما يقولونه عنه.
في النهاية، أبرم ما وياهو وسوفتبانك اتفاقية، عززت سيطرة جاك ما الشخصية على آنت بينما حصل على ترتيب لتقاسم أرباح شركة علي بابا، استبدلته الشركة بعد أعوام بحصة نسبتها 33 في المائة في آنت هي التي تمتلكها اليوم. لكن كثيرون يعتقدون أن هذه الحادثة هي الخطيئة التي وسمت جاك ما بطابعها. يقول دنكان كلارك، الذي ألف كتابا تناول عملية نقل علي باي بإسهاب "يلعب جاك دوما الشطرنج ثلاثي الأبعاد، لكن (...) يمكن أن ينتهي به الأمر إلى إثارة غضب الناس".
إذا كان جاك ما يلعب الشطرنج، فإنه كان يفعل ذلك بثقة متزايدة. بحلول 2015، كان على رأس العالم - وقائمة هورون للأغنياء في الصين. لم يقلل تقويضه لهيكل VIE من شهية المستثمرين لتعويم علي بابا بقيمة 25 مليار دولار في نيويورك في 2014، الذي استخدم الهيكل نفسه. كانت علي بابا أكبر تعويم في العالم على الإطلاق في سوق الأسهم. بدأت شركات التكنولوجيا مثل آنت تبين للعالم أن الصين يمكن أن تبتكر أيضا، وأصبح جاك ما رمزا لما كان ممكنا حيث شجعت الحكومة روح المشاريع لتخفيف الضغط على العثور على عمل لملايين من خريجي الجامعات الجدد.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES