Author

هل العملات المشفرة استثمار آمن؟

|
التقنية فرضت واقعا جديدا على حكومات العالم وهددت البنوك المركزية في أهم أدواتها أو ما يعرف بالسياسات النقدية، مثل: التسييل الكمي، وأسعار الفائدة، وطبع النقود، وسياسات السوق المفتوحة؛ كشراء أصول مالية من البنوك التجارية، وعادة ما تنفذها البنوك المركزية لإنقاذ الاقتصاد من الانزلاق في أزمات أو تحقيق الاستقرار المالي.
لمن لا يعرف كيف تعمل العملات المشفرة، ببساطة هي نتائج عمليات رياضية تقوم بها كمبيوترات ونتائج الحل إصدار وحدات نقدية افتراضية مشفرة أو ما يعرف بالعملة المشفرة عن طريق عمليات التعدين، في الوقت ذاته تلك الأجهزة التي تعمل على إظهار نتائج تحتاج إلى طاقة عالية وعدد كبير من الكمبيوترات، ولهذا فتحت مسارا لشركات ناشئة ومختصة في مجال التعدين لإنتاج عملات مشفرة خاصة بتلك الشركات.
السر الحقيقي في قوة العملات المشفرة هو أن عددها محدود، وتصدر بكميات قليلة على تقنية سلسلة الكتلة Blockchain، وتخزن بطريقة غير مركزية، أي إن التخزين يكون على الشبكة فلا مجال لمنع الوصول إليها، ولا سيما أن تلك الأموال الافتراضية تتحرك في كل مكان على الشبكة وعبر الحدود السياسية ولا تخضع لسياسات البنوك المركزية.
تم استغلال تقنية سلسلة الكتلة لإصدار عملات مشفرة رغم أن هذه التقنية لها تطبيقات كثيرة؛ كتحويل أي مستند أو وثيقة أو بيانات إلى محتوى مشفر ومخزن بطريقة لا مركزية، مثل: صكوك عقارية مشفرة، أو أصول مالية رقمية، أو بيانات مالية للشركات، أو الطبية، وغيرها كثير من التطبيقات.
تجاوبت بعض بنوك العالم المركزية مع التغيرات التقنية والابتكار وأصدرت عملات رقمية وأصبحت لديها عملات مشفرة تحت سيطرتها ويمكن تعقبها غير أن العملات المشفرة الأخرى التي تنتجها الشركات لا يمكن تعقبها ولا يمكن للبنوك المركزية السيطرة عليها.
من خلال مراقبتي للمشهد، أرى أن الناس والشركات لديهم شغف للخروج من عباءة البنوك المركزية لتجنب سياسات طبع الأموال والتلاعب بالعملات، ولهذا نرى أنهم يستثمرون في العملات المشفرة بشكل متزايد رغم تذبذبها العالي، ما يهمني اليوم التأكيد على عدد من النقاط رغم أنني لست ضد العملات المشفرة ومنافعها الاقتصادية.
أولا: الحكومات لديها قدرة على منع حق الانتفاع بالعملات المشفرة في شراء السلع والخدمات عبر اقتصادها الداخلي، وهذا لا يتطلب أكثر من تنظيم يمنع الشركات لضمان الاستقرار المالي، ثانيا: البنوك المركزية قادرة على منع استغلال عملتها الوطنية في شراء عملات مشفرة. أما إذا ما قررت دول العملات الرئيسة منع شراء العملات المشفرة، فإن زمن العملات المشفرة قد انتهى عمليا. ثالثا: العملات المشفرة تحتاج إلى توافق عالمي في مسائل قبولها كوسيط تبادل وتسوية للديون والاستحقاقات الآجلة.
أخيرا: لأي سبب إذا لم يحدث توافق رسمي وعالمي، فإن العملات المشفرة خطرة ومهددة بالانقراض والخسائر أو تحولها إلى عملة اقتصاد الظلام.
إنشرها