ثقافة وفنون

«قارئة الفنجان» .. كذب المنجمون ولو صدقوا

«قارئة الفنجان» .. كذب المنجمون ولو صدقوا

بوستر العمل.

«قارئة الفنجان» .. كذب المنجمون ولو صدقوا

مشهد من العمل.

"قارئة الفنجان".. هو عنوان رأيته ضمن قائمة المسلسلات الأكثر مشاهدة، ظننت للوهلة الأولى أن هناك من قرر إحياء تراث عبدالحليم حافظ، وتحويل إحدى أشهر أغانيه إلى عمل درامي. لم أكن أتوقع مطلقا أنني بصدد مشاهدة مسلسل رعب عربي، وقائعه حيكت من خيوط متشابكة ما بين التكنولوجيا وعلم الماورائيات والموروثات الشعبية، ممزوجة بتنهدات تنبؤات مثيرة للريبة والقلق، لتعيد إلى الأذهان كلام الحكمة الشائعة "كذب المنجمون ولو صدقوا"، فهل التنبؤات الإلكترونية أصدق إنباء من الكتب! وهل في التطورات التكنولوجية الحد بين الجد واللعب! هل يصدق أبو تمام، فنشاهد فيه "بيض الصفائح لا سود الصحائف في متونهن جلاء الشك والريب"؟

الهوس بالمستقبل ظاهرة تاريخية

لطالما كان الإنسان مهووسا بمعرفة مستقبله، سواء عبر العلم أو الخرافة، فهو بطبيعته الشغوفة دائم السعي لمعرفة ما الذي سيحصل غدا، هذا القلق دفعه إلى تطوير كثير من المعتقدات والطرق التي يظن أنها تكشف له مستقبله، وحاول الإنسان مع مرور الزمن طرق كل الأبواب، وولوج مجاهل السبل، وابتكار مختلف الأساليب، سواء البسيطة التقليدية أو المتطورة الحديثة، بدءا من قراءة الكف، واستبصار بقايا القهوة في قعر فنجان، أو استكشاف ملامح جبين ما، وصولا إلى استغلال التطورات التقنية والاعتماد على أحدث التطبيقات الإلكترونية، في زمن التسابق نحو المعرفة. كل ذلك رغبة منه في سبر أغوار النفس المجهولة. والسفر إلى المستقبل لا يعلمه غير الله - عز وجل. والنتيجة معلومة ومحتومة، مجرد ركض سراب، هرولة وراء وهم مستور، وبعثرة لمال منثور في جيوب باعة الوهم والأكاذيب، مجرد أوهام مزيفة، مغلفة بورق سلوفان براق جميل، يستحوذ على ألباب الضعفاء، ويسحر عيونهم ويسلب ما في جيوبهم.

قضية التنجيم في الدراما العربية

دفعت هذه القضية الشائكة رواد الدراما العربية إلى الدخول في ذلك المجهول وتسليط الضوء على قضية التنجيم وما يدور بين رحاها من بيع للوهم وسلب للأموال. من هذه الرحم ولدت فكرة المسلسل الجديد "قارئة الفنجان"، الذي يتألف من عشر حلقات، يجمع ممثلين من العالم العربي، ويغوص أبطاله بين دهاليز عالم التنجيم ورؤية المستقبل انطلاقا من بوابة التكنولوجيا، مازجا بين الأساطير والمعتقدات التي تترسخ في الأذهان وتتوارثها الأجيال والتكنولوجيا الحديثة والعالم الرقمي.

جلسة مرح تنقلب الى سوء

تدور قصة المسلسل حول مجموعة من الناس، يجتمعون في إحدى الليالي على ضوء القمر ويتسامرون على أنغام أمواج البحر، تقترح مريم، تؤدي دورها الممثلة السورية يارا قاسم، أن يلعبوا من خلال تطبيق "قارئة الفنجان"، وما بين اللعب والجد حملوا التطبيق على هواتفهم وانقلبت حياتهم رأسا على عقب، ففي تلك الليلة نفسها ظهرت أمامهم على الشاشة عبارات، مثلما ظهر لأحد الموجودين "احذر من البحر، فالبحر غدار" ليذهب في الليلة نفسها يمارس هوايته في السباحة ويلقى حتفه غرقا على الفور، وفي كل يوم تأتيهم عبارة تشغل بالهم، فمنهم من يموت ومنهم من يخون ومنهم من يتعذب، إلى أن بدأ سلام، يؤدي دوره الممثل المصري أحمد فهمي، البحث والتنقيب في التكنولوجيا عن الذي يرسل هذه الرسالة، اكتشف أن رشيد، يؤدي دوره الممثل السعودي أحمد شعيب هو وراء هذه اللعبة، وبعد دهمه تبين أنه يساعدهم على التخلص منها، أما كارمن، تؤدي دورها الممثلة الكويتية روان مهدي، فهي كانت على علاقة مع نزار، يؤدي دوره الممثل اللبناني محمود إبراهيم، وتوفي بعد أن وصلته رسالة من التطبيق تنذره بالموت.

الأمن الإلكتروني

ألقى المسلسل الضوء من الحلقة الأولى على قضية مهمة تواجه مستخدمي الإنترنت، هي قضية الأمن الإلكتروني، فجميعنا يتعامل مع تطبيقات يتم استحداثها يوميا وتؤثر في سلوكياتنا ونمط حياتنا، وبمجرد تحميل تطبيق أو البحث في مواقع التواصل الاجتماعي عن سلعة معينة، نفاجأ بظهور إعلانات متوافقة مع بحثنا، فإذا ما دخلت على تطبيق لسلعة لفتت انتباهك، تجد نفسك أمام سيل من المعروضات المشابهة في تطبيقات أخرى، حتى إننا نتساءل كيف حدث الأمر، وهل نحن مراقبون؟ الإجابة عرفها كثيرون بعد تكرارها ولم تعد مفاجأة كما كانت في المرة الأولى، فبمجرد دخولك على تطبيق معين تجد نفسك مجبرا على الموافقة على شروطه حتى تستكمل جولتك، وبذلك يتم اختراق خصوصيتك بإرادتك وموافقتك أيضا، وهذا ما حاول رشيد أن يشرحه لجميع الموجودين في السهرة.

الخلل في السيناريو

كانت البداية ساخنة والأحداث سريعة ومتلاحقة، رغم وجود بعض من عناصر الخلل، حيث تمكن المخرج محمد جمعة في عمله الأول، من جذب المشاهد نظرا إلى مشاهد الرعب الموجودة فيه، وركز على الأصوات والعناصر الفجائية، حتى إن ظهور القطط بعد سكون يرعب المشاهد، ولطالما افتقدنا هكذا مستوى من الرعب في الدراما العربية التي كانت دوما محفوفة بالمخاطر، ومن غامر وقدمها قوبل بموجات من الضحك والاستهجان من الاستخفاف بوعي المشاهد، خاصة مع تكرار مرادفات ثابتة لعالم الجن والعفاريت، كالقطة السوداء، الخيالات، الأظافر الطويلة المطلية بالأسود، النيران والأصوات الأشبه بالصدى، ذبح القطط ووضع دمائها على التعويذات، وعيون حمراء غائرة، وهو ما لا يمثل رعبا مع تكرار تنفيذه، وهذا ما جعل مسلسل "قارئة الفنجان" يتبوأ عرش الصدارة في مسلسلات الرعب العربية.
لكن على صعيد متصل، الحبكة التي كتبها هانى سرحان، وأعد لها السيناريو والحوار إياد صالح، لم ترتق إلى مستوى الإخراج، فطيلة المسلسل لا أحد يعلم كيف اجتمعت هذه المجموعة، وما صلة الوصل بينهم، حتى إن مريم وسلام التقيا للمرة الأولى، وأصبحا يتصرفان أمام الكاميرا كأنهما صاحبان مقربان. إن هذا الخلل خفف من قوة الإخراج.

أداء لبناني خجول وخليجي متقن

أما أداء الممثلين فكان متفاوتا، حيث قدم أحمد شعيب دورا متقنا، خاصة أنه كان يعاني صعوبة في الكلام، ولم يظهر أي تصنع أثناء حديثه بل جاء سلسا وقريبا من الجمهور، كذلك يارا قاسم وروان مهدي، في حين ظهر بعض الضعف على الممثلين اللبنانيين مثل ورد الخال التي لم تقدم الدور بالشكل المطلوب، حتى إنه أقل من المستوى الذي اعتدناه منها، كذلك فادي إبراهيم ودوري السمراني. ولعل السبب يعود إلى انعدام وجود أفلام رعب في الدراما اللبنانية، فكان بداية خجولة لهم، مقارنة بالانطلاقة العربية والخليجية.
وعودة على بدء، تبقى مقولة "كذب المنجمون ولو صدقوا"، التي يرددها الجميع على مر القرون، صحيحة في كل زمان ومكان، ولا يمكن إنكارها، وعلى الرغم من أن بعض الأحداث التي يتوقعونها قد تحدث حقيقة وتصيبنا، إلا أن ذلك لا يعني تصديق من يقوم بهذا الأمر أو حتى الاستئناس بما يقول أو سؤاله، لأن علم الغيبيات عند الله -عز وجل- "قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ". ولنردد دوما مع شاعرنا الكبير أبو تمام "السيف أصدق إنباء من الكتب .. في حده الحد بين الجد واللعب".
إنشرها

أضف تعليق

المزيد من ثقافة وفنون