FINANCIAL TIMES

كوفيد يذكر العالم بمأزق الإيدز

كوفيد يذكر العالم بمأزق الإيدز

في سويتو في جنوب إفريقيا قبل 20 عاما، كانت جوانب الطرق مليئة بلوحات إعلانية لشركات الجنازات. كانت الأدوية لإنقاذ المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية موجودة في ذلك الوقت. لسوء الحظ لم تستطع الدول الفقيرة تحمل تكاليفها، وظل الملايين يموتون.
الأدوية البديلة الرخيصة، التي تصنعها الشركات الهندية، وصلت بعد أعوام إلى معظم الأفارقة المصابين بفيروس نقص المناعة البشرية. الرئيس الأسبق جورج دبليو بوش، الذي ساعد على توفير العلاجات، انتهى به الأمر إلى إنقاذ كثير من الأرواح في إفريقيا - وهو أمر يجب أن يسجل في سجله بقدر الأرواح التي أزهقها في العراق وأفغانستان. الحل الوسط الفوضوي المتأخر بشأن فيروس نقص المناعة البشرية هو أنموذج لما يجب أن يحدث بشكل أسرع بكثير لكوفيد - 19. نحن بحاجة إلى مساعدة الدول الفقيرة على إنتاج اللقاحات.
العالم في المأزق نفسه الآن مثلما كان قبل 20 عاما: الأدوية تعمل لكن الدول الفقيرة لا تستطيع الحصول عليها، حتى لو كانت العقبة الرئيسة اليوم هي العرض وليس السعر. المشكلة هي أن كل الراشدين يحتاجون إلى اللقاح في وقت واحد. حصلت الدول ذات الدخل المرتفع على أكثر من ستة مليارات من 8.6 مليار لقاح تم طلبها حتى الآن. وأقل من 600 مليون تلقوا اللقاح.
نظرا لوجود نحو 5.8 مليار شخص على وجه الأرض تبلغ أعمارهم 15 عاما فأكثر، يحتاج معظمهم إلى جرعتين، فإننا بحاجة إلى أكثر من 11 مليار لقاح بسرعة. يبدو شعار "لا أحد في مأمن حتى يصبح الجميع في أمان" تافها لكنه صحيح. لكن حتى لو صنعنا 11 مليار جرعة، فمن شبه المؤكد أن الفيروس سيستمر في الانتشار، لذلك نحتاج إلى مليارات من الجرعات المعززة كل عام للقضاء على الطفرات.
تقول غرفة التجارة الدولية إن التكلفة الاقتصادية العالمية لقومية اللقاح تراوح بين 1.8 و3.8 تريليون دولار. في المقابل، تطعيم أفقر الناس في العالم يكلف عشرات المليارات فقط. فكيف سنفعل ذلك؟
جعل الدول الغنية تتقاسم إمداداتها الشحيحة غير وارد. إذا كان على الحكومات أن تختار بين تطعيم ناخبيها أولا أو فعل الشيء الصحيح بالنسبة للعالم، فنحن نعرف الخيار الذي ستتخذه. لهذا السبب يجب ألا ندفعها في هذا الاتجاه. بدلا من ذلك، يمكنها مساعدة الدول منخفضة الدخل على إنتاج اللقاحات هي نفسها.
يحدث هذا بالفعل على نطاق غير كافٍ في الهند والبرازيل وجنوب إفريقيا وأماكن أخرى، لكننا بحاجة إلى المزيد من القدرة العالمية على صنع اللقاحات بشكل دائم: أولا، للتعامل مع كوفيد - 19 المتفشي، ثم الجائحة التالية. يتعين علينا بناء المصانع في جميع أنحاء العالم حتى تتمكن المناطق الفقيرة من إمداد نفسها، بعد أن عرفت الآن أنها لا تستطيع الاعتماد على الدول الغنية.
هناك معركة مستمرة من أجل تنازل شركات تصنيع اللقاحات عن براءات اختراعها للدول منخفضة الدخل. الشركات - المدعومة من معظم الدول الغنية - تقاوم. سخر ألبرت بورلا، الرئيس التنفيذي لشركة فايزر، من المقترحات ووصفها بأنها "غير منطقية" و"خطيرة".
لكن البيت الأبيض يناقش تعليق حماية براءات الاختراع، وهو محق تماما. كثير من شركات الأدوية أخذت مليارات من الحكومات لتطوير لقاحاتها.
مع ذلك، براءات الاختراع هي نوع من العرض الجانبي. يسمح للدول بإصدار تراخيص إلزامية لتجاوزها، طالما أن الإنتاج للاستخدام المحلي بشكل أساسي. تحصل أقل الدول نموا على استثناءات أوسع. قالت "موديرنا" إنها لن تطبق براءات الاختراع أثناء الجائحة.
يشرح مارك ديبول، المدير التنفيذي السابق للصندوق العالمي لمكافحة الإيدز والسل والملاريا، أن المشكلة الأكبر هي أن شركات الأدوية بحاجة إلى نقل تكنولوجيا صنع اللقاحات. وهذا يعني أن يسافر العلماء والفنيون إلى الدول ذات الدخل المنخفض لتدريب الكوادر المحلية.
يجب على شركات الأدوية أيضا أن تسمح اللقاحات المصنوعة في الدول الفقيرة بأن تحمل اسمها، لأن ذلك سيؤدي إلى تسريع الموافقة التنظيمية. لكن نقل التكنولوجيا لم يحدث بعد، ويرجع ذلك جزئيا إلى أن شركات الأدوية غارقة في محاولة إمداد الدول الغنية.
يقول ديبول إن بناء مصنع واحد في إفريقيا ينتج مليار جرعة من اللقاح يمكن أن يتم بتكلفة أقل من 200 مليون دولار. ومع تحسن التكنولوجيا، يعتقد ديبول أن سعر اللقاح يمكن أن ينخفض في النهاية من 20 دولارا أو 30 دولارا إلى خمسة دولارات. وكلما تحور الفيروس محليا، يمكن للمصنع إنتاج جرعات معززة بسرعة.
إن ترويض الأوبئة سيكون تحويليا. لكن إمكانات مصانع اللقاحات العالمية تتجاوز ذلك. لقاحا "فايزر" و"موديرنا" هما أول استخدامات بشرية لتكنولوجيا مثيرة: مرسال الحمض الريبي النووي mRNA. اللقاحات المصنوعة من mRNA تعلم خلايانا كيفية صنع البروتين، أو قطعة من البروتين، ما يوجد استجابة مناعية.
يقول أوجور شاهين، الشريك المؤسس لشركة بايونتيك، مطورة لقاح "فايزر"، في يوم من الأيام يمكننا الحصول على لقاحات تستند إلى mRNA لفيروس نقص المناعة البشرية والسل والسرطان. كذلك يمكن استخدام حلول الحمض النووي الريبي في الزراعة بدلا من المبيدات الكيميائية، حسبما تقول جرينلايت بايوساينسس. في الواقع، إمكانات الحمض النووي الريبي هي أحد أسباب تشبث شركات الأدوية ببراءات الاختراع. إنها غير مهتمة بجني الأموال من تطعيم إفريقيا ضد كوفيد - 19. إنها تلعب لعبة أطول وأكبر.
مع أدوية فيروس نقص المناعة البشرية، أضعنا عقدا قاتلا. يمكن أن يؤدي فعل الشيء الصحيح هذه المرة إلى دفع الطب العالمي إلى عصر جديد. ولن يكون باهظ الثمن.

إنشرها

أضف تعليق

المزيد من FINANCIAL TIMES