Author

فضيلة التغافل

|
يعاني أغلب المجتمع عقدا أوجدها تعقيد العلاقات الاجتماعية والتبادل المتعاظم للمعلومات والتداخل المستمر في حياة الناس. يعيش كثيرون تحت سيطرة فكرة التعرف إلى كل شيء، والتعامل مع كل شيء، والتفاعل مع كل شيء، لدرجة أوجدت حالات مرضية لم تكن موجودة في السابق.
الكم الهائل من التبادل الفكري والاجتماعي والنفسي بين من يعيشون حالة العزلة الجسدية، بحكم تأثير الشاشات التي تدفعهم إلى البقاء على الخط Online فترات أطول من المنطقي صحيا وذهنيا - حتى اجتماعيا - يفتقدون حالة الرضا النفسي الناتج من العزلة الحقيقية البعيدة عن العالم الافتراضي. عزلة اليوم ابتعدت عن الفكرة الأصل، التي تبني على إيجاد المجال الذهني والنفسي للتفاعل مع مواقع عليا في الفكر البشري، والتسامي عن الماديات التي تخترق حياتنا بمزيد من المتطلبات والضغوط.
العزلة الحقيقية مطلوبة ومهمة لإبعاد الأثر المادي في النفس البشرية، وهي لا تزال كذلك شرط أن تتحقق فيها عناصر الابتعاد الفعلية عن كل المنغصات المادية والحسية والفكرية. يلجأ كثيرون إلى العزلة المادية في الإجازات بعيدا عن الصخب الذي يصاحب الحياة اليومية، وتتزايد حالات أولئك الذين تجيبك صناديق بريدهم الإلكتروني بأنهم ابتعدوا في إجازة من وعن كل شيء مادي أو افتراضي.
رغم هذا، تستمر المؤثرات المحسوسة وغير المحسوسة في تكوين هالة كبيرة من المنغصات بحكم وجودها في كل مكان وصعوبة التهرب منها، وهنا تأتي فضيلة التغافل التي يبدأ الواحد باكتشاف أهميتها بعد أن يتجاوز عمرا معينا، يحكم تحديدها النضج الفكري وكم التفاعل الوجداني. التغافل حالة يحتاج إليها من يهتم بمعرفة الإجابة عن كل شيء، أو إثبات معرفة أي شيء، أو الرد على كل مخالف لإثبات صحة الرأي.
عنما تسيطر هذه الفضيلة على أسلوب حياة الشخص، قد يحسبه البعض مهملا أو غير ذي رأي، لكنه - في الواقع - يعرف أغلب ما يحدث حوله وله رأي فيه، بل قد تكون له خبرة تتجاوز خبرات كل من هم حوله. يخرج الواحد بقناعة أن راحته النفسية وتجاوز الأحكام الإيجابية أو السلبية، يجعله في غنى عن أن يثبت أي شيء لأي كان.
في التغافل راحة للنفس ورؤية للآخرين على حقيقتهم، وهو في النهاية يؤكد لكل من هم حولك أنك تعلم، ولكنك لا تلزم نفسك بأن تؤكد علمك. لذا، فمن العقل أن نهتم بما يفكر فيه الصامتون أضعاف اهتمامنا بمن يسيطرون بالصوت على المجالس والمنتديات.

اخر مقالات الكاتب

إنشرها